إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التأمين التجاري والبديل عنه
المجيب
د. عبدالقادر جعفر جعفر
أستاذ مشارك في الاقتصاد الإسلامي بالجزائر
التاريخ الجمعة 26 صفر 1428 الموافق 16 مارس 2007
السؤال

هل يجوز التأمين الذي بموجبه تُردُّ لنا تكاليف العلاج الطبي، وهل يختلف الحكم لو أُجْبِر الإنسان على التأمين؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً على اهتمامك بدينك، ونسأل الله أن يحفظك ويرعاك.
أما التأمين بشكله القائم الآن فغير جائز شرعا، بغض النظر عن نوعه، لأن أنواعه متقاربة في حقيقتها، وإن اختلفت صيغ تنفيذها، وذلك للأسباب التالية:
1- أن عقوده لم يرجع في تشريعها إلى الإسلام، وإنما إلى التشريعات الوضعية، التي بعثت عليها ظروف خاصة بمن نشأت فيهم.
2- ولأن عقود التأمين تشتمل على معاوضة نقد بنقد، وبالنظر إلى حقيقتها نجدها تحرم للعلل التالية:
- أن هذه العقود تشتمل على الغرر الفاحش، في الوجود، والأجل، والمقدار.. وهذا محرم.
- ولأنها تشبه الرهان والمقامرة، ويدل على هذا واقعها، وشهادة واضعيها، وما دخلته المقامرة حرام شرعا.
- كما أن فيها الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسيئة، سواء على اعتبارها قرضا، أو صرفا، وكل ذلك حرام.
- وفيها بيع الدَّين بالدَّين، في كل ما لم يُدفع من أقساط.
وأما ما أجبر عليه المسلم منها، فإنَّ عليه ألا يستمرئه أو يرضى به، لأنه من المحرمات.
3- وهو حرام بالنظر إلى أن شركات التأمين قائمة على ابتزاز أموال الناس، والاتجار بأموالهم، وهي لا تراعي إلا مصلحتها المالية المحضة، مهما رفعت من شعارات التضامن، والتعاون، وتحقيق الأمن، ومهما وظفت من وسائل الدعاية في ذلك.
والذي يجوز من أنواع التأمين ما خلا من المحاذير الشرعية، ومنها:
- التأمين الاجتماعي الذي تقوم به الدولة وحدها بتمويله من الخزانة العامة، دون إلزام باشتراك عامل، أو صاحب عمل، لأن هذا موافق لما قررته الشريعة الإسلامية، ولما أوجبته عليها من الكفالة الاجتماعية، إذ إن فيه -فضلا عن الكفالة الاجتماعية المقررة- تأمينا اقتصاديًّا مستقبليًّا لجميع أفراد الدولة، أو لأصحاب الدخل المحدود على الأقلّ.
- صورة المضاربة المشروعة التي حاول رسمها بعض علمائنا بديلا لشركات التأمين، مع اختلاف بينهم في بعض عناصرها، وهي مضاربة مستمرة مشروعة، ينبغي للمسلمين اللجوء إليها، ومن معالمها:
1- أن يكون الاشتراك فيها اختياريًّا لا إجباريًّا.
2- أن تستثمر حصيلتها بالطرق المشروعة، كالمضاربة ونحوها، وأن تجتنب أي نوع من الاستثمارات الربوية.
3- أن يعاد في النهاية جميع ما اقتطع من راتب الموظف مع ربحه إن حصل ربح، دون زيادة أو نقصان، جملة واحدة، أو على أقساط صحيحة شرعا.
4- أن يسلَّم المبلغ لصاحب المعاش إن كان حيا، ولورثته إن كان ميتا.
5- أن لا يُحَالَ بين صاحبها، وبين الحصول عليها متى رغب في ذلك.
6- اعتبار هذا النظام شركة مضاربة إسلامية تتولاها الدولة، أو تشرف عليها.
وفي هذه الصورة مجال لاستثمار الأموال، وفرصة لجمع مال يسد به المسلم حاجته، ينفق منه على نفسه وعياله، ويسد به ما ترتب في ذمته من حقوق تعويض لغيره، ولشركائه إقراضه في حال الشدة والإعسار، كما أن لهؤلاء الشركاء التبرع لكل محتاج من المسلمين.
وبهذه الصورة يتحقّق الصدق في المعاملة، والبعد عن التلاعب بالألفاظ والمشاعر والدعاية المغرية.
ولو أن شركات التأمين التعاوني لجأت إلى هذه الصورة الواضحة، بقيودها الشرعية المعروفة، لخرجت من وضع التردد والخلاف في شرعية عملها، لأن أكثرها استفادت طريقة عملها من فكرة التأمين التعاوني لدى الغرب، وتغيير اسمها لا يغير من حقيقتها، كما أن واقع هذه المؤسّسات ليس بالضرورة مطابقاً لمقصود المجامع العلميّة التي أفتت بإباحة التأمين التعاوني، وإنما هو تطبيق لنظريته لدى الهيئة الشرعيّة المؤسّسة له.
كما أن على المسلمين الحرص على تكوين جمعيات خيرية هدفها الصريح الواضح مساعدة المحتاج، وكفالة اليتيم، وتيسير سبل الرزق، وتوفير عيشة كريمة للمسلمين الذين يراد تفقيرهم قهرا.
وإذا ما أجبر المسلم على التأمين فإنَّ له السعي في استرجاعه متى استطاع إلى ذلك سبيلا. فله أن يطلب التعويضات التي تُقدَّم عادة من صندوق الضمان الاجتماعي، أو نحوه من مؤسسات التأمين، على التعطّل عن العمل بسبب مرض، أو إصابة، أو على نفقات العلاج والأدوية، وغير ذلك، استرداداً لحقِّه، لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ". رواه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون (2227)، ومسلم في كتاب المساقاة (2913).
والحاصل أنه لا يجوز لك أن تُقبِل باختيارك على التعامل مع شركات التأمين التي تتصف معاملاتها بالمحظورات المذكورة سابقا، وإذا أجبرت كان لك استرداد حقك. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ