إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر
المجيب
د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التاريخ الاثنين 14 ربيع الأول 1428 الموافق 02 إبريل 2007
السؤال

ما هي مراتب القدر؟ وهل الإنسان مسير أم مخير؟ وهل القدر عذر للإنسان؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالقدر أربع مراتب، الأولى: علم الله سبحانه بكل شيء أزلي جملة وتفصيلاً، قال تعالى: "وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً" [الفتح:26].
والثانية: كتابته سبحانه وتعالى للمقادير، قال سبحانه عن العلم والكتابة: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [المجادلة:7].وقال سبحانه: "وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" [الأنعام:59].
والثالثة: مشيئته النافذة، كقوله تعالى: "قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" [آل عمران:40]. وقوله سبحانه: "فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ" [البروج:16].
والرابعة: خلقه سبحانه لكل شيء، قال تعالى: "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" [الرعد:16].
وقد تواترت النصوص على ذلك، وأجمع عليها أهل العلم.
والإنسان -وغيره من المخلوقات- لا يخرج عن قدر الله، إذ ذاك مقتضى قهره وربوبيته سبحانه، وهذا لا يعني أن الإنسان مسلوب الإرادة تماماً، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت بعثة الرسل وإنزال الكتب وفرض الشرائع نوعاً من العبث، إذ إن المخاطب لا حول له ولا قوة. ولكانت عقوبة الإنسان على ذلك نوعاً من الظلم، إذ يلزم من ذلك أنه يحاسب على ما ليس من فعله، والله سبحانه منزه عن العبث والظلم.
الإنسان مسير أحياناً ومخير أحياناً، وكل عاقل يعلم من نفسه أموراً تحصل رغماً عنه، وأموراً تقع باختياره لا ينكر ذلك إلا مكابر، وهذا مقتضى الشرع، فقد أثبـت الله للإنسان إرادة: "مِنْكُم مَن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَ" [آل عمران:152]. فما كان مسيراً فيه فإن الله لا يؤاخذه عليه، بل إن الله يعذره بأقل من ذلك، كالإكراه والخطأ والنسيان والجهل "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" [فصلت:46]. "رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [البقرة: 286] وقال سبحانه: "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" [النساء:165]. وهذا أمر مستقر في الشريعة.
فلا يحاسب المولى سبحانه الإنسان إلا على أفعاله الاختيارية، وعلم الله سبحانه لها وقدرته عليها ومشيئته لها ليس عذراً للإنسان، بل عدم ذلك طعن في علم الله سبحانه وقدرته.
فليس لعاصٍ حجة بالقدر، فهو الذي عمل وأراد، ودخوله في علم الله وقدرته ومشيئته لا تنفي ذلك، فإن الله إن أراد للصائم في رمضان أن يأكل فإن ذلك سيحصل، فإن حصل بإرادة الإنسان فهو عاص آثم مستحق للعقوبة، ولا حجة له بالقدر.
وإن حصل بغير إرادته كالمخطئ والناسي فهو معذور، وهنا يصح أن ينسب الفعل إلى الله إذ هو خارج إرادة الإنسان، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "من أكل وشرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" [رواه البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل وشرب ناسياً، برقم (1933). ومسلم كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر برقم (1155)].
وقد أنكر سبحانه وتعالى على المشركين احتجاجهم بالقدر، وعدَّه تكذيباً، فقال تعالى: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" [الأنعام:148].
وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في الأفعال التي لا يملكها الإنسان، وإنما هو مسير فيها، فهو هنا معذور، كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". [رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم (2664)]. فالاحتجاج بالقدر على الأفعال الإجبارية صائب جائز، و أما على الأفعال الاختيارية فإنه لا يجوز.
وقد قدر الله سبحانه وتعالى المقادير بحكمته البالغة، وعلمه وقدرته وفق الحق والعدل والإحسان، لا يشوبه أي نوع من الظلم، فكل نفس مستحقة للعذاب والشقاء قد يسر لها، وكذلك كل نفس راغبة في الخير هديت إليه، ويسرت له من غير قسر ولا جبر.
وقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القدر أهو أمر قد فرغ منه وانتهى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، قالوا ففيم العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" [رواه البخاري، كتاب التفسير، فسنيسره للعسرى، برقم (4949). ورواه مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، برقم (2647)]. فأهل السعادة سيعملون، وميسرون لطريق السعادة، وكذلك أهل الشقاوة.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ