إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل للكبيرة كفارة في الدنيا؟
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الثلاثاء 19 جمادى الأولى 1428 الموافق 05 يونيو 2007
السؤال

أرجو أن تبينوا لي: هل للكبيرة كفارة في الدنيا؟ فإذا كان الجواب بنعم فما هي كفارتها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، و بعد:
فإن كفارة الكبيرة هي التوبة النصوح بشروطها المعتبرة شرعاً، وهي الإقلاع عن الكبيرة، والندم على مقارفتها. والعزم على عدم العودة إليها، وإن كان الحق متعلقا بحق آدمي فالتحلل منه قدر الإمكان بالوسائل المعروفة، قال الله تعالى:" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"[الزمر:53] وهذه الآية في التائبين، بل إن الله تعالى إذا قبل توبة عبده، ورأى منه صدق الملتجأ إليه والإنابة والخوف منه سبحانه والعمل الصالح، فإن الله يبدل سيئاته حسنات فضلاً منه ومنَّة سبحانه وتعالى، قال تعالى:" إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً" [الفرقان:70] قال الله تعالى ذلك بعد أن ذكر جريمة الشرك، وقتل النفس المعصومة والزنى.
ولكن بشرط التوبة النصوح، والإيمان الصادق، والعمل الصالح.
وأيضا فإن من مكفرات الكبائر الاستغفار.
ومنها: إقامة الحدود إذا كان في تلك الكبيرة حد من الحدود الشرعية في الصحيح من قولي أهل العلم، بدليل حديث عبادة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً... إلى أن قال: فمن وفى فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه".وفي لفظ مسلم:" من أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته".
ومنها الإكثار من الأعمال الصالحة؛ لأن الله تعالى يقول:" إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ" [هود: من الآية114] وهذه وإن كان جمهور العلماء يرى أنها خاصة بالصغائر بشرط اجتناب الكبائر بدليل قوله تعالى:" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُم سَيِّئَاتِكُم"[النساء: من الآية31] وحديث عثمان في مسلم:" ما من امرئ مسلم يحضر صلاة مكتوبة فيحسن ركوعها وخشوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة" وغيرها من الأدلة. إلا أن شيخ الإسلام وغيره من العلماء يرون أن الآية عامة في جميع السيئات، وهي وإن لم تكفر الكبيرة بالحسنات مما لا شك فيه أن هذه الحسنات والطاعات تثقل الموازين، فمن ثقلت موازينه بالأعمال الصالحة ورجحت بسيئاته فهو الناجي، كما قال تعالى:" وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ" [الأعراف:8-9] وغيرها من الآيات والأحاديث الكثيرة، قال ابن مسعود:" يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة.. ثم قرأ " فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[الأعراف: من الآية8] الآية. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح".
ومن المكفرات في الدنيا المصائب التي تصيب المسلم من أمراض وأسقام ومصائب وغير ذلك إذا احتسبها عند الله.
وكذلك من المكفرات دعاء المؤمنين واستغفارهم للمذنب، وصلاتهم عليه عند موته، وما يلحقه من عمل صالح بعد موته من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
وكذلك ما يصيبه في القبر من عذاب أو فتن، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وغيره من الشافعين كما قال صلى الله عليه وسلم:" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". وكذلك رحمة أرحم الراحمين يوم القيامة، فقد يعفو الله عز وجل عن المذنب، ويتجاوز عن سيئاته بشرط: أن يلقى الله موحداً غير مشرك به شيئاً.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ