إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان طريقة جديدة في ختم القرآن
المجيب
د. محمد بن إبراهيم السعيدي
رئيس قسم الدراسات الإسلامية في كلية المعلمين بمكة
التاريخ الجمعة 22 جمادى الأولى 1428 الموافق 08 يونيو 2007
السؤال

يقوم بعض الإخوة على شبكة الإنترنت بتقسيم القرآن إلى أجزاء، ويقرأ كل منهم جزءاً أو أكثر خلال عدة أيام حتى يتموا القرآن كاملاً، ويقولون إنهم يختمون القرآن بهذه الطريقة، فهل ذلك جائز أم هو بدعة محدثة؟ و إذا كان جائزاً فهل صحيح أن لكل منهم أجر ختمة كاملة؟

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد:
فإن البدعة كما عرفها الشاطبي رحمه الله في الاعتصام (1/37): (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)
وهذا التعريف صحيح لتوافقه مع مدلول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري (1718)، ومسلم (2697)، "عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" من أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليس فيه فَهُوَ رَدٌّ ".
وما وصفه السائل من عمل بعض الإخوة على أثير الشبكة المفتوحة لا أجد أنه يدخل في هذا التعريف، أو في المنهي عنه بمدلول هذا الحديث؛ وذلك لما يلي:
أولا: أن قراءة العبد للقرآن، وإسماعه لغيره، واستماع العبد قراءة غيره، كل ذلك وارد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصوص كثيرة، منها ما جاء في صحيح البخاري (800)، ومسلم (5050)، عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:" اقْرَأْ عَلَيَّ قلت يا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قال نعم، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حتى أَتَيْتُ إلى هذه الْآيَةِ فَكَيْفَ إذا جِئْنَا من كل أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلَاءِ شَهِيدًا قال حَسْبُكَ الْآنَ فَالْتَفَتُّ إليه فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ". وجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن مسعود بالقراءة وهو يستمع.
الثاني :أن ختم القرآن وارد في السنة، بل يستحب للعبد أن يجعل وردا من القرآن كل يوم حسب طاقته، وهذا منصوص عليه في عدد من الأحاديث الصحيحة، منها ما جاء في صحيح البخاري (1975)، وصحيح مسلم (1159) عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" اقْرَإِ الْقُرْآنَ في شَهْرٍ قلت: إني أَجِدُ قُوَّةً، حتى قال: فَاقْرَأْهُ في سَبْعٍ ولا تَزِدْ على ذلك". والذي يفعله هؤلاء الإخوة هو أنهم يختمون القرآن في مدة معينة قراءة واستماعا، ويعين بعضهم بعضا على هذه العبادة عملا بعموم قوله تعالى:"وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ".[المائدة:2]
الثالث : أن ما يقومون به هو اجتماع على ذكر الله تعالى، وقد وردت كثير من
النصوص في فضل الاجتماع على ذكر الله تعالى، ولا شك أن قراءة القرآن هي أفضل
الذكر؛ إذ هو كلام الله المشتمل على أسمائه وصفاته ووعده ووعيده وقصصه وعبره
سبحانه وتعالى.
ومما ورد في فضل الاجتماع على الذكر ما جاء في صحيح البخاري (6408)، وصحيح مسلم (2689) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قال: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وهو أَعْلَمُ منهم ما يقول عِبَادِي؟ قال تقول يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قال فيقول: هل رَأَوْنِي؟ قال: فَيَقُولُونَ لَا والله ما رَأَوْكَ، قال فيقول وَكَيْفَ لو رَأَوْنِي؟ قال يَقُولُونَ لو رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لك عِبَادَةً وَأَشَدَّ لك تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لك تَسْبِيحًا، قال يقول: فما يسألونني؟ قال يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قال يقول: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال يَقُولُونَ: لَا والله يا رَبِّ ما رَأَوْهَا؟ قال يقول: فَكَيْفَ لو أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قال يَقُولُونَ: لو أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عليها حِرْصًا وَأَشَدَّ لها طَلَبًا وَأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً. قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قال: يَقُولُونَ من النَّارِ قال يقول: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قال يَقُولُونَ: لَا والله يا رَبِّ ما رَأَوْهَا، قال يقول: فَكَيْفَ لو رَأَوْهَا؟ قال يَقُولُونَ: لو رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ منها فِرَارًا، وَأَشَدَّ لها مَخَافَةً، قال فيقول: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قد غَفَرْتُ لهم، قال يقول مَلَكٌ من الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ ليس منهم إنما جاء لِحَاجَةٍ، قال: هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يشقي بِهِمْ جَلِيسُهُمْ". أما ما يذكرونه من أن لهم أجراً من ختم القرآن قراءة فلم أجد نصا في ذلك، ولكن فضل الله سبحانه وتعالى عظيم، وإن لم يكن لديهم نص في أن لهم من الفضل مثل ما لمن ختم القرآن قراءة فليس لهم أن يتألوا على الله، ولهم أن يسألوه من فضله أن يضاعف لهم الأجر. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ