إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التحايل على منحة التقاعد
المجيب
د. عبدالقادر جعفر جعفر
أستاذ مشارك في الاقتصاد الإسلامي بالجزائر
التاريخ الثلاثاء 03 رجب 1428 الموافق 17 يوليو 2007
السؤال

عمل أبي سابقا في بلد أوروبي كان يحتل بلدنا، وتحصّل على منحة التقاعد بعدما وصل إلى السن القانونية، وبعد مدة توفي وترك عائلة معوزة، وتركني أنا بدون عمل، فقمت أنا بالتحايل على صندوق المعاشات، وذلك بعدم إرسال شهادة الوفاة إلى المصالح المختصة، إذ أرسلت شهادة حياة مزورة بقصد مواصلة حصولنا على منحة التقاعد، وبالفعل تحصلنا على هذه المنحة لمدة.
والذي جعلنا نسوغ هذا الفعل لأنفسنا هو ما فعله بنا ذلك البلد سابقا من قتل وتشريد ونهب لخيراتنا، ولأننا استدللنا باعتراض المسلمين لقافلة قريش انتقاما لما فعلته بهم. فاعتبرنا ذلك فرصة لاسترداد شيء مما سلبه الاحتلال. جدير بالذكر أنني أشرك معي بعض الفقراء في هذا الذي آخذه.
فهل يحرم علي ما أفعل فأتوقف عنه فورا؟ مع العلم أن رد السابق متعذر لأسباب مادية. أفتوني جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم، أضع أمامك جملة من المعطيات، مصحوبة ببعض التساؤلات التي لو أجبت عليها أمكنك أن تصل إلى الحكم بنفسك، وفَّقك الله .
1- ذكرت أن والدك –رحمه الله- اشتغل ببلد أوروبي، وأفنى شبابه فيه، فلما حان التقاعد تركه، ألا ترى معي بأنه يصعب التوفيق بين هذا، وبين اعتبار هذا البلد عدوا يلزم السعي في استرداد ما سلبه؟ أم أن ضرورة كسب القوت دفعته إلى الانتقال إليها؟!!
2- الظاهر من سؤالك أنه ذهب للعمل به مختارا، فالتعاقد كان عن رضا، ومن كان حاله كذلك لزمه الوفاء بكل ما يترتب على العقد، ما لم يكن فيه معصية.
3- اعتبار بلد عدوا لأنه احتل بلدنا أمر لا خلاف فيه، وأن ما فعله عدوان وظلم، وأن هذا البلد المعتدي محارب للمسلمين، لكن هل يشمل ذلك كل أفراده؟ وإذا شملهم، فهل هم الذين مضوا أم الأحياء منهم الآن؟ وهل ينسحب الحكم على كل من عاش في ذلك البلد بما فيهم الوالد الذي اشتغل به؟
4- وعند التفكير في استرداد ما سلبه هذا البلد المحتل سابقا، ينبغي التساؤل عن السبل المشروعة لتحقيق هذا الهدف. وتحديد الجهة التي يسترد منها المال المسلوب. وهل منها صندوق التقاعد والمعاشات؟
5- جدير بالذكر أن الوالد كان يسدِّد الأقساط لصندوق الضمان طيلة مدة عمله، فإذا كان ما استرده حال حياته وما استرده ورثته من بعده مماثلا لما أخذ منه، فلا بأس، لكن تزوير الوثائق أمر ممنوع شرعا، مع المسلم ومع غير المسلم، ما دام الرضا حاصلا في التعامل، وفي تجويزه فتح لباب الفوضى والتظالم لتعذر ضبطه.
ولا ينبغي للمسلم الجنوح إلى جمع المبررات لتحليل ما لا يحل، إلا في رخصة رخصها الله تعالى، ولأدلة قامت على استثناء حكم من الأصل.
ولذلك أنصحك بترك هذا الذي تفعل.
وأما رد ما سبق أخذه فهو مطلوب إلا إذا خشيت الوقوع في ضرر أكبر؛ كأن تعجز عن الرد، ويزيدك ذلك غبنا على غبن، وكأن تصاحبه عقوبة، خصوصا وأن من علل تسويغك لما فعلت هو حاجتك وفقرك.
6- ولا يظهر أن الاستدلال باعتراض قافلة قريش ينطبق على هذه الحالة التي ذكرت، وأذكر نفسي وإياك بأن مثل هذه القضايا الاجتهادية لا يقبل الخوض فيها إلا من الذين هم أهل للاجتهاد من أهل العلم؟
والله تعالى أعلى وأعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ