إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل فرَّ عمر يوم حنين؟
المجيب
محمد عدود
عضو اللجنة العلمية بالموقع
التاريخ الخميس 13 جمادى الآخرة 1428 الموافق 28 يونيو 2007
السؤال

قرأت في سيرة ابن هشام أن عمر بن الخطاب كان ممن ثبت مع الرسول يوم حنين، ولكن أحد الزملاء أتى لي برواية تدل على فراره تلميحا، وهي في صحيح البخاري من حديث أبي قتادة.. فما الرد المناسب؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم
1- شكر الله لك حرصك على استجلاء الحقيقة، وسؤالك عما لا تعلم، فإن هذا من علامات عقلك وطيب طويتك.
2- فيما يخص ما وقع من المسلمين يوم حنين، يجب أن تقف عند الحقائق التالية:
أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل مواصلاً لتقدمه نحو العدو (لم ينهزم)، وثبتت معه كوكبة من أهل بيته وأصحابه، منهم: العباس بن عبد المطلب، وابناه الفضل وقثم، وعلي بن أبي طالب، وأخوه عقيل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأخوه لأمه أيمن ابن أم أيمن، وقد استشهد في ذلك الموقف، وأبو بكر، وعمر، وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وشيبة بن عثمان الحجبي رضي الله عن الجميع.
وقد قدّر ابن مسعود عدد من ثبتوا بثمانين رجلا، كما قدّرهم ابن عمر بأقل من مائة قائلا: "لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْم حُنَيْنٍ وَإِنَّ النَّاس لِمُوَلُّونَ، وَمَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَة رَجُل".
ب- أما حديث أبي قتادة المشار إليه فهو قوله: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِى يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِى، وَأَضْرِبُ يَدَهُ، فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِى، فَضَمَّنِى ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ، ثُمَّ تَرَكَ فَتَحَلَّلَ، وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ في النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ مَا شَأْنُ النَّاسِ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ". فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قتيلي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لي فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ سِلاَحُ هَذَا الْقَتِيلِ الذي يَذْكُرُ عندي فَأَرْضِهِ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ كَلاَّ لاَ يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَدَّاهُ إِلَيّ ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِى الإِسْلاَمِ". صحيح البخارى (4322).
وهذا الحديث ليس فيه ما يثبت انهزام عمر رضي الله عنه، بل إن أبا قتادة رضي الله عنه ذكر جملة من الوقائع حدثت في ذلك اليوم، منها ما هو سابق على الأزمة (الهزيمة) ومنها ما هو لاحق عليها، ومن ذلك مناقشته لعمر رضي الله عنه حول سبب ما وقع، ومن الطبيعي أن تكون مناقشة أسباب الأزمة المفاجئة بعد انتهاء هذه الأزمة، لا قبلها ولا أثناءها، وهذا مما يدل –منطقياً- على أن نقاشه مع عمر كان في وقت لاحق على ما حدث.
وعلى فرض أن مقابلته مع عمر كانت في وقت الهزيمة فإنها تدل على أن عمر كان يسير في عكس الاتجاه الذي سار فيه أبو قتادة حال انهزامه؛ أي أن عمر كان في حالة تقدم وأبو قتادة في حالة انهزام، كما وقع مع سلمة بن الأكوع الذي مر –وقت انهزامه- بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينتبه مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعلق عليه قائلا: "لقد رأى هذا فزعا".
ج- أن سبب هذه الأزمة (الهزيمة) لم يكن هو الخوف من العدو، ولا الانهيار، ولا ضعف الأداء القتالي، ولا التمالؤ، ولاالاستسلام؛ بدليل كونها وقعت في البداية ولم تقع في نهاية المعركة، ولم يكن لها أي انعكاس سلبي على نتائج المعركة.. ومتى سلمت مما ذُكر فإنها لا تعتبر عيبا ولا مطعنا فيمن حصلت منه، ولكنها مشكلة (زوبعة) تتطلب سرعة التدخل، والاحتواء، واحتفاظ القيادة بزمام المبادرة.. وهو ما تم بالفعل، من دون ارتباك ولا تأخر؛ مما أدى إلى اختفائها في ساعات المعركة الأولى، وكأنّ شيئا لم يكن.
أما السبب الرئيس فهو عنصر المفاجأة الذي أدى إلى نفور إبل الصحابة وهربها بهم وفقدانهم السيطرة عليها، وكان للوقت والمكان دورهما البارز في ذلك؛ حيث كان المسلمون ينحدرون "في وادٍ من أودية تهامة أجوفَ حَطوطٍ، إنما ننحدر فيه إنحداراً في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شِعابه وأجنابه ومَضايقه" فنفرت الإبل وفقد أغلبهم السيطرة عليها، ولما تحدد لهم موقع النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق نداء العباس لهم، كان الرجل منهم إذا لم يستطع التحكم في بعيره يأخذ سلاحه ويقفز من فوق ظهر البعير ويرجع على قدميه إلى مكان وجود النبي صلى الله عليه وسلم. يقول العباس رضي الله عنه واصفا سرعة توجههم إلى نقطة التجمع التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها! فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه!".
ومما يدل على أن المشكلة جاءت من قبل حالة الانجفال والذعر الذي أصاب الركائب، ما ذكر من شدة تحفظ الصحابة –رضوان الله عليهم– على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان العباس آخذا بلجامها، وأبو سفيان آخذ بركابها، وابن مسعود من جانبها، وفي ركوبه صلى الله عليه وسلم على البغلة في هذا الموقف أبلغ دلالة على الثبات، بل قد كان العباس يرغب في تخفيف سرعة تقدم النبي صلى الله عليه وسلم نحو العدو حتى يتكامل تجمع جيش المسلمين.
وفي حديث ابن مسعود عن الواقعة ما يدل على أن المشاة من الصحابة لم يتأثروا بما وقع، وهذا دليل آخر على أن المشكلة جاءت من قِبَل المراكب.
وتبقى الحكمة من حدوث هذه الأزمة هي: تأديب الله سبحانه وتعالى للمسلمين الذين أعجبتهم كثرتهم حتى قال البعض: "لن نُغلب اليوم من قلة"! كما جاء في قول الله تعالى: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" [التوبة/25]. وهذه الآية من العام الذي يراد به الخصوص.
د ـ وخلاصة لما سبق فإن أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي رضي الله عنه وأرضاه لم يكن من المنهزمين يوم حنين، ولم يكن ممن يغمز بالجبن أو الضعف في سبيل الله، وكان إسلامه فتحا للمسلمين وعزا وقوة لهم، وكانت هجرته تحديا صارخا لقريش.
وما وقع من الهزيمة لم يكن بسبب الجبن أو الخوف أو التخاذل، وإنما كان سببه الرئيس -كما سبق- فقدان السيطرة على الإبل: فليس فيه مطعن على أحد، ولم تكن له انعكاسات سلبية على سير المعركة.
وقفات لغوية:
1. لفظ: (أصيبغ) روي بالصاد المهملة والغين المعجمة، كما روي بالعكس (أضيبع) بالضاد المعجمة والعين المهملة، وعلى الوجه الأول: وصفه بالضعف والمهانة؛ لأن الأصيبغ نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف يقال له الصبغاء إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر. وعلى الوجه الثاني: تصغير الضبع على غير قياس؛ كأنه لما عَظّم أبا قتادة بأنه أسد صغّر خصمه، وشبهه بالضبع لضعف افتراسه وما يوصف به من العجز، وقال ابن مالك: أضيبع بمعجمة وعين مهملة تصغير أضبع ويكنى به عن الضعيف. [فتح الباري لابن حجر 12/130]
2. (الحَطُوطُ) بالحاء المهملة: الأَكَمةُ الصَّعْبةُ الانْحِدار، وقال ابن دريد: الحطوط الأَكَمةُ الصعبة، فلم يذكر ارتفاعاً ولا انحداراً. [لسان العرب 7/ 272].
3. قد يوصف السهل بأنه (ذو خطوط) بالخاء المعجمة إذا كانت فيه طرائق منخفضة ومستطيلة كما أشار إليه القاموس المحيط، وهذا النوع من الأودية الذي توجد فيه هذه الخطوط يتسم بالخطورة والمفاجآت، خاصة في أوقات الظلام؛ لأن الشخص الذي يسير فيه لا يكاد ينتبه إلى هذه الحفر المستطيلة إلا بعد أن يقع فيها.

وللمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، للحافظ اليعمري (ابن سيد الناس) (2/215)، وجوامع السير، للإمام ابن حزم الظاهري (1/239). والسيرة النبوية لابن كثير - (ج 3/ص627).


إرسال إلى صديق طباعة حفظ