إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حكم التقليد في التفجير والتكفير
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ السبت 21 رجب 1428 الموافق 04 أغسطس 2007
السؤال

قال صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجر وإذا أخطأ فله أجران". السؤال: 1- ما الحكم إذا اجتهد العالم في مسألة, وأوصله اجتهاده هذا إلى الكفر, كمن قال بخلق القرآن أو نقصه...؟
2- ما هو الحكم إذا اجتهد العالم في مسألة, وأوصله اجتهاده هذا إلى الابتداع، مثل الحضرات وبدع الجنائز..؟
3- ما الحكم إذا اجتهد العالم في مسألة, وأوصله اجتهاده هذا إلى الوقوع في حرمة أحد المسلمين, كتكفير شخص معين بما يراه ذلك العالم ناقضاً من نواقض الإيمان دون إقامة الحجة؟
4- ما حكم العامي (المتبصر-الجاهل) الذي قلد ذلك العالم, في كل من الحالات الثلاث السابقة؟ وكأمثلة:
أ‌- عامي قلد عالماً في جواز الطواف حول القبور وسؤال الأموات؟
ب-عامي قلد عالماً في جواز الحضرة أو تعمير القبور؟
ج- عامي قلد عالماً في جواز قتل من يوالي ويناصر من يراه ذلك العالم طاغوتاً
(حاكم مرتد)؟
5- كيف الجمع بين ما سبق وحديث النبي صلى الله عليه وسلم بداية؟
6- ما القياس بين هذا وبين ما وقع بين الصحابة من الفتنة؟ سواءً معاوية وعلي, أو أنصار معاوية وأنصار علي؟ والتي أوقعت بعضهم في دماء بعض؟
7- ما حكم العامي الذي يفجر نفسه في الغير مقلداً لقول عالم أجاز ذلك واعتبرها استشهادية؟ وفي كلا الحالتين أصاب أو أخطأ؟
8- إذا كان التقليد يعذر العامي من الوقوع في الإثم, فكيف نبرر عمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقتل مئات العوام من الصوفية, والذين كانوا يقلدون من يروهم علماء ثقات مجتهدين، وهم عاجزون عن تحري الصواب والدليل لعجزهم وجهلهم؟

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
1- العالم المجتهد يطلب الحق، وعلمه بالشرع وحسن قصده بالله لا يمكن أن يوصلانه إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى. ثم قد يكون ما توصل إليه كفراً في نظر غيره لا في نظر نفسه، وهنا يتعين على غيره أن لا يكفره إلا بعد إقامة الحجة عليه وتعريفه بخطئه وإذا كان ذلك المجتهد المخطئ قال بكلمة الكفر فسيرجع عنه قطعا ويستغفر ربه، إذ لا يجتمع في قلب رجل إيمان وكفر في وقت واحد، فكيف يجتمعان في قلب عالم؟!!
2- يكون مأجوراً على اجتهاده ومأزوراً على ابتداعه، والغالب أن مثل هذا العالم لا يرى أن ما فعله أو قاله هو بدعة، وإذا خالفه غيره فواجب على الغير مناصحته وبيان خطئة وإن لم يفعل فلا إثم.
3- إذا كان عالما كما تذكر فعلمه وصلاحه سيمنعانه من تكفير مسلم دون إقامة الحجة عليه لأنه يعلم. إن كان عالما بأن ذلك حرام ولا يجوز من عامة الناس فضلا عن خاصتهم.
4- العامي – أيا كان- مذهبه مذهب من يقلده (شيخه) فإن أخطأ الشيخ أو أصاب فأجر العامي وخطؤه على الشيخ، وهذا يشمل جميع الحالات الثلاث في الأجوبة السابقة. ويشمل فقرتي (أ-ب) من السؤال . أما فقرة (ج) من السؤال فلا يجوز للعامي أن ينفذ قول شيخه الذي يقلده؛ لأن قتل النفس والتعدي على الغير بماله أو نفسه لا يجوز بحال ولا يدخله التقليد، فلا يعفي العامي من العقوبة والجزاء أمر شيخه له بذلك، ولأن القتل للنفس المعصومة أو مصادرة المال المعصوم لا يجوز إلا بأمر الإمام الشرعي بناء على دليل يوجب ذلك، وتنفيذاً لأحكام كالقصاص والجلد والقتل للردة ونحوها يقوم بها الإمام (السلطان).
5- الحاكم في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران..." هو القاضي الشرعي الذي يفصل بين الخصوم المتنازعين، أو الخليفة (السلطان) باعتباره عالماً مجتهداً كما كان الشأن في عهد الخلفاء الراشدين، أما الخلفاء والحكام بعدهم فليسوا بعلماء، فيرجع إلى حكم القاضي فقط.
6- ما وقع بين الصحابة من حروب وفتن واجب المسلم نحوهم أن يترضى على الجميع، ولا ينصِّب نفسه حكماً بينهم بناء على أقوال تحكى في التاريخ ليس لها خُطم ولا أزمة (أسانيد) موثوقة كأسانيد الأحاديث. ورحم الله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز لما سئل عن معاوية بن أبي سفيان قال:" والله لذرة غبار دخلت في منخر فرس معاوية بن أبي سفيان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهي خير من عمر وآل عمر".
وروي عن سفيان الثوري أنه قال:" هذه حروب طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا." ومن يدخل في الحروب والفتن التي جرت بينهم لا بد أن يصوب بعضهم ويخطئ البعض الآخر. وفي هذا مسبة لهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" وبسبب هذا وقع النزاع والخلاف والفرقة بين المسلمين في القديم والحديث، والنزاع بين السنة والشيعة على مدار التاريخ منشؤه من هذا. فليت المسلمين يتبصرون!!
7- من يفجِّر نفسه تبعاً لقول شيخه فهو انتحار لا يجوز، وكلاهما (الشيخ المفتي والعامي المنفذ) قاتل للنفس عمداً والله يقول:" وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً" [النساء:93].
8- من قال إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يكفر العوام من الصوفية وغيرهم، فقد أخطأ وظلم، وقال بما لم يعلم، أو قلد جاهلاً لا يعلم كما قلدته أنت في سؤالك!! يجب أن تعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يكفر بالعموم لا الصوفية ولا غيرهم، بل هو يقول في كتبه ورسائله (نحن لا نكفر من يطوف على قبر البدوي أو قبة الكواز –بالعراق- لأنهم عوام جهال) أما تكفير الواحد المعين فلم يكن الشيخ يكفره حتى تقام الحجة عليه. وأنصحك أن تقرأ كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب مباشرة، ولا تعتمد على نقل غيرك. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ