إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اختلفت لجنة المسجد.. فهل يجوز الترافع إلى البلدية؟
المجيب
د. قيس بن محمد آل مبارك
عضو هيئة كبار العلماء
التاريخ الثلاثاء 25 جمادى الآخرة 1428 الموافق 10 يوليو 2007
السؤال

لجنة إدارية بأحد المساجد بأوروبا غير منتخبة من المصلين، وترفض هذا الأمر، استقدمت الشرطة في العديد من المرات لبعض من خالفها الرأي، سواء في أمور عقديَّة أو تنظيمية، وعوقب البعض بالمنع من دخول المسجد.
هذه اللجنة أشيع في الآونة الأخيرة ضد رئيسها ممارسته للفساد، واختلاسه لبعض أموال المسجد، وتستَّر بقية الأعضاء عليه، وقد قبلت هذه اللجنة من جهة اقتراحاً بتشكيل لجنة للتحقيق في هذه الإشاعات، لكنها امتنعت من جهة أخرى مد هذه الأخيرة بالوثائق والسجلات المالية الضرورية لهذا الأمر.
فهل يجوز والحالة هذه رفع الأمر -لمعرفة الحقيقة وحفظ مال المصلين- إلى إدارة بلدية المدينة التي يمكن لها إجراء تحقيق في مثل هذه الحالات في غياب جهة إسلامية تقوم بهذه المهمة، ولا يعتبر ذلك تحاكما إلى الطاغوت كما يقول بذلك البعض؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالذي أراه في مثل هذه الخلافات أن يكون حَسْمُها بطريقة ودِّيَّة، ذلك أن جُلَّ الخلافات بين المراكز الإسلامية منشؤها خلاف شخصي، قد يكون أصله إقليميًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا، ثم يتعسَّف المختلفان فيحوِّلانه إلى خلاف عقدي، وإلا فما المانع أن يتغاضى أحد الطرفين، ويقبل بوجود تصرَّفاتٍ من غيره، قد تكون مكروهة شرعاً في سبيل منْع الوقوع في محرَّم كالتشاحن مثلاً، بل قد يسكت المسلم عن محرَّم لِيَحُول دون محرَّم أشدُّ منه كتشويه صورة الإسلام، فإذا تفاوتت رُتَب المحرَّمات لزم ارتكاب أخف الضررين، فيجوز في حال الاضطرار ما لَم يكن جائزاً في حال الاختيار.
والسؤال المعروض يفرض أحد جوابين :
الأول:
الامتناع عن الشكوى، ومعالجة المشكلات بالتفاهم وتدخُّل الوسطاء من المرضِيِّيْنَ من الطرفين، بحيث يُحْتكم إلى نظام دقيق وشديد الوضوح، يُتَّفق عليه، ويُفرض على الجميع، بحيث لا يكون لأحد الطرفين عذرٌ في كيل التُّهم للآخر، ورميه بسوء القصد، والواجب أن يتسامح الطرفان في وضع النظام والقانون الذي يُدار به المسجد، لأن المصلحة تتحقق بأيِّ نظام واضح ومفصَّل، مهما اختلفنا في نوعه.
الآخر:
رفع الأمر إلى إدارة بلدية المدينة، والدخول في مخاصمةٍ وصراعٍ قد يُفضي إلى نزاعات ومشاحنات تزيد المسلمين تفرُّقاً وانشقاقا.
والسؤال هل هذا من التحاكم إلى الطاغوت؟
نعم يكون احتكاما إلى الطاغوت إذا كان النظام مخالفا ومناقضا لحكم الشرعِ، أو كان مُبهماً بحيثُ يُظنُّ أن يُحتكم فيه إلى أقوال رجالٍ غير مسلمين، ومثل ذلك أن يُحالَ إلى مُحَلِّفين مثلاً.
أما إذا كان النظام مكتوباً وواضحاً وليس فيه مخالفةً لِلشريعة، فلا يظهرُ لي أنه من الاحتكام إلى الطاغوت، (ولا إشكال في أن يكون في النظام مخالفة للشريعة، لكن يجب أن لا تكون المخالفةُ في القضية التي سيحتكمان إليه فيها).
نعم الحرَج يكون في أنكم رضيتم أن تحتكموا -وأنتم تحملون نبراس الهداية والعدل- إلى لوائحَ ونُظمٍ رغم أنها صحيحة، غير أنها من وضع وصياغة غير المسلمين، وقبلتُم بالوقوف بين أيديهم لتطبيقها عليكم، وهذا عنوان لِضعف المسلمين ومُظهرٌ لِتفرُّقهم، وفيه تشويه لأخلاقهم أمام الآخرين، وفيه إساءة إلى شريعتكم الكاملة، فلا ينبغي أن يُصارَ إليه إلا في حال الضرورة.
ولذلك فلستُ أرى الأخذ بهذا الخيار الثاني إلا إذا ضاق الأمر عليكم، وتعذَّر الأخذ بالخيار الأول، ولَمْ يوجد في جهة إسلامية، رسميَّة أو غير رسميَّة، يُمكن الاحتكام إليها.
وأنصح الإخوة المسلمين في بلاد الغرب بتقديم حق الدِّين على حظوظ النفس، فسيُدركُون أن خير سبيلٍ لنشر الإسلام هو الوسيلة الشريفة الحكيمة.
ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفرض الإسلامَ على الناس بالقهر والغَلَبة، وقد تيسَّرَ لَهُ ذلك حين عُرِضَ عليه الحُكمَ، فأبى إلا السَّبيل الشريف لنشر دعوته. صلوات ربي وسلامه عليه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ