إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان انتقاد الآمرين بالمعروف..!
المجيب
د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التاريخ الاربعاء 18 ربيع الأول 1429 الموافق 26 مارس 2008
السؤال

هل كراهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو انتقاد الهيئة كفر؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الدين، بل هو من خصائص هذه الأمة "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" [آل عمران:110] . وهو من صفات النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في الكتب السابقة "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الأعراف:157].
وهو من صفات الدولة المسلمة "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" [الحج:41] وهو من صفات المؤمنين، يقول سبحانه "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة:71]، وقوله سبحانه "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ - وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" [التوبة:112].
وهو فرض على الكفاية لقوله سبحانه "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [آل عمران:104]. وهو فرض عند رؤية المنكرات لقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.
وترك النهي عن المنكر من أسباب لعنة الله "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" [المائدة:78] . "كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" [المائدة:79]. وهو من موانع العذاب، وتركه من أسباب رد الدعاء، كما قال عليه السلام: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم". متفق عليه.
فلا يتصور بعد هذه النصوص من الوحي الصريح أن يكره مؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ تلك الكراهية كفر أكبر بإجماع المسلمين، إذ هي كراهية ما أنزل الله سبحانه، وهي من صفات المنافقين "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ" [محمد:9].
ولكن نلمح من سؤال السائل أنه ربما يقصد كراهية بعض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وذلك يأخذ أحكاماً متعددة، فإن كانت كراهيتهم لما يقومون به من شعيرة عظيمة وهي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا شك أيضاً أن ذلك لا يصدر من مؤمن، إذ حكم ذلك ما تقدم من الكفر الأكبر بإجماع المسلمين، إذ هو لا يختلف عن كراهية الشعيرة.
والذي يحصل من بعض المسلمين كراهية بعض القائمين بالأمر والنهي عن المنكر لأخطاء منهم، ولمجانبة بعضهم للرفق المأمورين به، أو لما يترتب على بعض أعمالهم من مفاسد فهذا أمر مختلف عن كراهية الشعيرة ذاتها. ولا يوجب كراهية الشرع له، بل ربما كان بعضه مستحباً أو واجباً.
أما الهيئة فهو جهاز ومؤسسة بشرية، فانتقادها يأخذ أحكاماً متعددة، فقد يكون واجباً إذا خرج مخرج النصيحة وإصلاح الخطأ، ورغبة في التقويم سالكاً السلوك الشرعي، وهو داخل في قوله عليه السلام: "الدين النصيحة...". وعلى رجال الهيئة تقبُّل النصح، وإصلاح الخلل؛ فهم أولى الناس بذلك.
أما تصيد أخطاء الهيئة والقدح بها لغرض التشفي فضلاً عن الكذب واختلاق القصص عليهم فهذا ليس من أخلاق المؤمنين، وأقل ما فيه التحريم، ويخشى على فاعل ذلك من النفاق الأكبر نسأل الله العافية.
والواجب تجاه الهيئة والقائمين عليها محبة ما يقومون به من أعمال خيرة من أمر بمعروف ونهي عن منكر ودعوة إلى الخير، وهم يقومون بأعمال جليلة لا تحصى من الأمر بالصلاة، وحفظ أعراض المسلمين، ومحاصرة المخدرات والمسكرات وغيرها مما يرضي الله عز وجل، وهم في ذلك أسقطوا الفرض عن أعيان الأمة، فهم نواب لنا في الدعوة إلى الخير، وإذا عجزنا عن مساندتهم والقيام بالواجب معهم فلا أقل من نكف من ألسنتنا عنهم.
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكـــم *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا.
فواجبنا تجاههم محبتهم ومحبة ما يقومون به، والنصيحة لهم، ونشر فضائلهم، وتحمل بعض أخطائهم في جانب صوابهم، والحذر من نقل أو تصديق كل ما يردد في بعض وسائل الإعلام أو المجالس مما يسيء إليهم دون تثبت. والله الموفق إلى سواء السبيل..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ