إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ماذا يقول القرآن عن التوراة والإنجيل؟
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ السبت 08 جمادى الآخرة 1428 الموافق 23 يونيو 2007
السؤال

ماذا يقول القرآن الكريم حقيقة عن التوراة والإنجيل التي بين أيدي اليهود والنصارى اليوم؟ وفي قوله تعالى: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه..." [المائدة:47]. هل يجب أن نفهم أنه تعالى أشار إلى هذه الكتب التي بين أيدي أهل الكتاب، وهل هذا يعني أن هذه الكتب صحيحة وليست محرفة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فالله تبارك وتعالى أمرنا بالإيمان بكتب الله تعالى جميعها، قال تعالى: "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ" [البقرة:285]. وقال تعالى: "قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" [آل عمران:84]. وامتدح المتقين بقوله: "وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" [البقرة:4].
والإيمان بالكتب هو أحد أركان الإيمان الستة المعروفة والواردة في حديث جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره..".
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بنزولها من عند الله حقاً.
الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه، كالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام، والتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، والزبور الذي أوتيه داود عليه السلام، والصحف التي نزلت على إبراهيم عليه السلام، وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً.
الثالث: تصديق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن، وما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها. وجميع الكتب السابقة نسخت بالقرآن الكريم، قال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ " [المائدة: 48]. أي حاكماً عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن الكريم، ومن ذلك الإيمان بأن التوراة والإنجيل كغيرها من الكتب السابقة إضافة إلى نسخها بالقرآن فقد أصابها ا لتبديل والتحريف والتغيير، لأن الله تعالى وكل حفظها إلى علمائهم "مَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ" [المائدة: 44]. خلاف القرآن الكريم الذي تكفل الله تعالى بحفظه "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر:9] وتحريفها كان على نوعين:
1- تحريف ألفاظها بالحذف والزيادة والنقصان، قال تعالى: "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" [البقرة:79 ]. وقال تعالى: "وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [آل عمران:78] وقال تعالى مبينًا ما كانوا يخفونه من الكتاب المنزل "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" [المائدة:15] وقال تعالى: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [آل عمران:71] وغيرها.
2- تحريف معانيها بالتأويل والتحريف، وحملها على غير محاملها، وتغيير معانيها في التراجم والشروح ونحوها، كما في الآية السابقة "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [آل عمران:71]. وقوله تعالى: "مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ" [النساء: من الآية46] وفي الآية الأخرى: "يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ" [المائدة:41] وقوله تعالى: "وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة: من الآية75] وقوله تعالى: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [البقرة:59].
ومعلوم أن أهل الكتاب مع اعترافهم بفقد الأصول التي أنزلت على أنبيائهم فقد مزجوا أخبارهم بما بقي عندهم من كتب أنبيائهم كما هو مشاهد في الإنجيل الذي بيد النصارى. فالمعلوم أن الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام إنجيل واحد، أما الأناجيل الموجودة بأيدي النصارى فهي أناجيل متعددة أربعة أو خمسة أو أكثر مختلفة فيما بينها، وتختلف كل طبعة من الإنجيل الواحد عن الطبعات السابقة لها، فأي هذه الأناجيل هو إنجيل عيسى عليه السلام، وفيها ما زعمه النصارى من قبل المسيح عليه السلام وصلبه ودفنه، ثم قيامه من بين الأموات، وغيرها من الأخبار التي هي محكية على تلاميذ عيسى عليه السلام وأتباعه، وقد خلطوها مع كتاب الله من غير تمييز بين ما هو عن الأنبياء وبين غيره.
ولذلك فإن موقف المسلم مما في أيدي اليهود والنصارى الآن على ثلاثة أنحاء:
1- منها ما شهد له القرآن الكريم بصحته، فهذا نشهد بأنه مما أنزل الله على رسله (موسى عليه السلام) الشهادة والقرآن.
2- منها ما شهد القرآن ببطلانه، فهذا نشهد بأنه ليس مما أنزل الله على رسله؛ لشهادة القرآن ببطلانه.
3- ومنها ما سكت عنه القرآن، فلم يشهد له بصحة ولا بطلان، فهذا نسكت عنه ولا نثق بنسبته إلى الله تعالى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة المخرج في صحيح البخاري: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم -يعني فيما لم يصدقه القرآن أو يكذبه- وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون". وفي حديث آخر: "إذا رأيتم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم" أخرجه الإمام أحمد.
وروى البخاري عن ابن عباس قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث. تقرؤنه محضاً لم يشب. وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم".
ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة، وقال: "ألم آتكم بها بيضاء نقية. ثم قال: والذي نفسي بيده لو أن موسى بن عمران حي لما وسعه إلا اتباعي".
أما ما سأل عنه السائل من إحالة القرآن في بعض الآيات إلى ما في التوراة أو الإنجيل فهذا من النوع الأول، وهو الصحيح الذي لم يحرف، والذي شهد له القرآن بالسلامة من التحريف أو التبديل. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ