إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التحايل على الرسوم الجمركية
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الاثنين 16 رجب 1428 الموافق 30 يوليو 2007
السؤال

ما حكم تغيير قيمة السلع المستوردة من الخارج، وذلك بأن يطلب التاجر من المصنع فاتورة مخفضة السعر؛ حتى تقل رسوم الجمارك عند وصولها؟ علما بأن هذه الفواتير ليست بالسعر الحقيقي المدفوع للمصنع. فهل هذا العمل يدخل في الغش؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بداية وقبل الإجابة عن السؤال يذكر هنا أن الرسوم الجمركية على السلع التجارية المضروبة على المسلمين تعتبر من المكوس المحرمة على لسان الحبيب صلى الله عليه وسلم، وقد نصت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله(1)، وكثير من أهل العلم على اعتبار الرسوم الجمركية من المكوس، وقد ثبت في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه في رجم الغامدية (التي ولدت من الزنا) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له". الحديث رواه مسلم، قال النووي:"فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات؛ وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها"(2).
وروى أحمد وأبو داود والحاكم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة صاحب مكس" وصححه الحاكم.
قال الذهبي في كتابه الكبائر: والمكاس داخل في عموم قوله تعالى: " إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [الشورى:42].
والمكاس من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم؛ فإنه يأخذ ما لا يستحق، واستدل على ذلك بحديث بريدة وحديث عقبة المتقدمين، ثم قال :" والمكاس فيه شبه من قاطع الطريق وهو من اللصوص، وجابي المكس وكاتبه وشاهده وآخذه من جندي وشيخ وصاحب راية شركاء في الوزر آكلون للسحت والحرام" اهـ.
وقال الحافظ المنذري:"أما الآن فإنهم يأخذون مكسا باسم العشر، ومكوسا أخر ليس لها اسم، بل شيء يأخذونه حراما وسحتا، ويأكلونه في بطونهم ناراً، حجتهم فيه داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد"(3).
وفي شرح السنة:" أراد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا مكسا باسم العشر"(4).
ومما سبق يتبين حكم آخذ تلك الضرائب والمكوس، فما حكم التحايل على دفعها والغش فيها كما يقول السائل؟
إن الرجوع إلى كلام أهل العلم في معنى الغش يبين لنا أن ظاهر هذه الصورة المذكورة تعتبر من الغش والكذب، فإن الغش هو الخديعة، وإظهار خلاف الباطن في البيوع وغيرها، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع(5)، وإن تغيير قيمة السلعة المستوردة لتكون أقل هو إظهار لقيمة السلعة على غير ما هي عليه في الباطن (الواقع)، وعليه فيدخل في عموم النصوص الدالة على تحريم الكذب والغش، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق الْعَلَاءُ عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ على صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فيها فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فقال": ما هذا يا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قال: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يا رَسُولَ اللَّهِ. قال: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ الناس من غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي"، وفي لفظ لمسلم (وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا).
قال القاضي عياض رحمه الله: "ومن غشنا أي خدعنا وأظهر خلاف باطن أمره في البيع وغيره، وقوله: ليس منا، أي ليس الغش من أخلاقنا، وقيل: ليس فاعل ذلك مهتديا بهدينا، ولا مستنا بسنتنا لا أنه أخرجه عن اسم الإيمان) (6).
وقال إبراهيم الحربي(7) رحمه الله "فالغش أن يظهر شيئا ويخفي خلافه، أو يقول قولا ويخفي خلافه، فذلك الغش"(8). فإذا كانت تلك الصورة من الغش فهل يعني تحريم ذلك التصرف من كل وجه؟
ولأجل تفصيل الجواب نقول: إن المغشوش في هذه المسألة لا يخلو من حالين:
1- إما أن يكون جمارك دولة مسلمة، ظلت في هذا الباب، وظلمت الناس بأخذها تلك المكوس، فإن الغش هنا يعتبر مخالفة لتعاليم ولي الأمر، وتحايلاً على أنظمة الدولة، فيجب دفع تلك الرسوم، وإن كان السلطان ظالماً لك في هذا؛ لما قد يترتب على مخالفة أمره والتحايل عليه من الفتن والمفاسد التي قد تكون أعظم من إباحة التحايل عليه، ففي صحيح مسلم من حديث حذيفة قال :"قلت كَيْفَ أَصْنَعُ يا رَسُولَ اللَّهِ إن أَدْرَكْتُ ذلك قال: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ"(9) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالطاعة لولي الأمر إذا أخذ أو طلب مالك، وإن كان هو ظالم لك، ويكون حكمك حكم المكره.
قال الشوكاني في النيل "فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَإِنْ بَلَغُوا فِي الْعَسْفِ وَالْجَوْرِ إلَى ضَرْبِ الرَّعِيَّةِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَيَكُونُ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: " فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ" وَقَوْلِهِ: "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا".)ا.هـ
2- وإما أن يكون المغشوش جمارك دولة كافرة، فهذه الحال أخف، لأن السلطان الكافر لا تجب طاعته، ويجوز للمسلم أن يدفع الظلم عن نفسه بقدر الاستطاعة، وليس هذا من الغش، ولكنه دفع للظلم كما أفتى بذلك الشيخ محمد بن عثيمين(10) رحمه الله.
لذا فالذي يظهر – والله أعلم – جواز التحايل عليهم بما ذكر السائل من حيث الأصل دفعاً للظلم الواقع عليه ممن لا تجب طاعته، إلا إن كان يترتب على ذلك مفسدة أعظم كغرامات مالية مضاعفة لو علموا بذلك، أو عقوبات تعزيرية من حبس ونحوه، أو يترتب على ذلك تشويه سمعة المسلمين عند الكفار، بأن يقولوا إن المسلمين أهل خداع وغش وتحايل وكذب، فَيصُد الناس عن الدخول في الإسلام، ففي هذه الحال يتعين تركها دفعاً للمفسدة الأكبر، فهذه المسألة يعمل فيها بقواعد المصالح والمفاسد، فإن كان في ذلك التحايل مفاسد أعظم من المصالح فيترك دفعاً للمفسدة الأعلى، وإن كان ليس ثمة مفاسد أو كانت أدنى من المصالح فلا بأس بها، مع مراعاة القواعد الأخرى كقاعدة (المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة). (ودفع المفسدة العامة مقدمة على دفع المفسدة الخاصة)، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة، و نسأله أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه. والله تعالى أعلم.


(1) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (23/489).
(2) شرح النووي على صحيح مسلم (11/203)
(3) الترغيب والترهيب (1/320).
(4) عون المعبود (8/111)، وانظر النهاية في غريب الأثر (4/349).
(5) انظر الإحكام لابن حزم (1/ 43)، و شرح النووي على صحيح مسلم (1/94).
(6) مشارق الأنوار (2/139).
(7) أحد السلف وهو من شيوخ البخاري رحمه الله.
(8) غريب الحديث للحربي (2/658).
(9) صحيح مسلم (3/1476).
(10) سئل الشيخ رحمه الله ضمن أسئلة اللقاء المفتوح: هناك بعض دور النشر يُطلب منها كتب خصوصاً الكتب الإسلامية ترسل إلى موزعين مسلمين يوزعونها بشكل تجاري -طبعاً- في بلاد الكفر للأقليات المسلمة الموجودة في بلاد الكفر، ولكن حين دخول هذه البضاعة التي هي الكتب يفرض عليها ضرائب عالية جداً إذا عُلم أنها للتجارة، فيطلب الموزعون من دار النشر أن ترسل فاتورة أخرى مكتوب عليها أقل من القيمة التجارية الأولى -قيمة الثمن الأصلي- بحد معين، الذي هو أدنى من الحد الذي تفرض عليه الضرائب، وبالتالي يتجنبون دفع ضرائب كبيرة على تلك البضاعة، فيسألون: هل يجوز إرسال الفاتورة الثانية التي هي ليست حقيقية، إنما لتعرض لأصحاب الجمارك في تلك الديار، حتى لا يدفعوا الضرائب الباهظة التي فرضت عليهم؟
الجواب: هل سيعاملون الزبائن بمقتضى السعر المخفض؟ لا. السعر هذا الذي على الفاتورة الثانية لا يتعدى اثنين بالمائة من القيمة الحقيقية- أي: لا بأس (لا مانع)، غاية ما فيه أنهم أسروا ثمناً وأعلنوا ثمناً دفعاً للظلم عن أنفسهم ولا بأس بذلك.)ا.هـ وظاهر الفتوى تصب في الحال الثانية. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ