إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان كيف يمكن بالمنطق أن تعيدوا لي إيماني؟
المجيب
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
أستاذ العقيدة بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 19 جمادى الآخرة 1428 الموافق 04 يوليو 2007
السؤال

كنت شخصاً مسلماً، وضعف إيماني كثيراً حتى زال بالكلية. فكيف يمكن بالمنطق أن تعيدوا لي إيماني. أسئلة كثيرة جعلتني لا أؤمن، منها: لماذا خلق الله الأنبياء في فترة معينة، والآن لا يمكنا رؤيتهم والتحقق من معجزاتهم، أم يجب علينا الاعتماد على تاريخ وكتب وموسوعات كثيرة...؟ لماذا يذهب المسلمون فقط إلى الجنة بينما يوجد ملايين الأشخاص في العالم لم يعرفوا الإسلام، ولم يولدوا لأب وأم مسلمين، ولم يبحثوا في أمور الدين، وهم طيبو القلب ويفعلون الخير؟
إذا كنا مخيرين إلا يجب أن يكون هنالك شيء واضح يدل على أن الإسلام هو الدين الصحيح، وما غير ذلك فهو خاطئ؟ وعندما يرى الجميع هذا الشيء يمكن عندها أن نقول لمن لم يصدق به: إنه يستحق الذهاب إلى النار، فمثلا أن يرينا الله نفسه، أما أن تكون الهداية من الله هكذا (عشوائية) فكأن هناك تمييز وعدم عدل.
وإن كان الله رحيما فلماذا يخلق أطفالاً مشوهين ومعوقين، وما ذنب هؤلاء أن يعيشوا معاناة تقشعر لها الأبدان؟ ولماذا يسمح الله بما يجري في كل الأرض من تعذيب لأناس مدنيين، وبطرق تقشعر لها الأبدان؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الإيمان نعمة إلهية، لا يملك البشر منحها، ولا إعادتها لفاقدها. وإنما تُنال بأسباب معروفة، أهمها: الإخلاص والصدق في طلب الحق، وثانيها: سؤال الله الهداية، وثالثها: العلم الذي يزيل الشبهات والإشكالات. فالأول، والثاني، يتعلقان بك، وأما الثالث، فأساعدك في الوصول إليه:
1- لا يلزم لحصول الإيمان بالأنبياء أن يراهم جميع الناس، ولا أن يعاينوا معجزاتهم، بل يكفي أن يحصل ذلك لعيِّنة واسعة من البشر، فتقوم الحجة. ونظير ذلك أننا نؤمن بشخصيات تاريخية، وحقائق علمية، دون أن نقابل الأشخاص، أو ندرك التفاصيل ودلائل النبوة أوسع من مجرد المعجزات. فأقوى دليل على صدق الأنبياء، ما جاءوا به من الحق والهدى. فمن تدبر القرآن بإخلاص وتجرد تبين له ذلك.
2- لابد من قيام الحجة الرسالية على البشر، قال تعالى: "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" [النساء:165]. وقال: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". فلا يهلك على الله إلا هالك، والله تعالى حكم عدل مقسط، لا يظلم مثقال ذرة.
3- ليس هناك إلا إسلام واحد، وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو بحمد الله، محفوظ بالكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، المروية بالأسانيد المعتبرة. وأما الفرق المبتدعة فلا تؤثر في نقاء الأصل المحفوظ.
4- الأدلة على أن الإسلام هو الدين الصحيح واضحة أشد الوضوح؛ في عقائده الصحيحة، وشرائعه العادلة، وأخلاقه القويمة. فمن بحث عن الحق وجده، سيما وقضية الإيمان قضية عميقة، ملحة، وليست من أمور الترف الفكري. فإذا أعرض عنها الإنسان كان ذلك مسوغاً لاستحقاق العقاب. ولو قيل لشخص ما، إن ثمة حريقاً قادماً، أو فيضاناً كاسحاً، فلم يلتفت للتحذير حتى هلك، لقال جميع العقلاء: لا عذر له.
5- ليس للعباد المخلوقين أن يقترحوا على الله أنماطاً معينة لحصول التصديق، كقولك: (أن يرينا الله نفسه)، وقول اليهود: (أرنا الله جهرة) وقول مشركي العرب: (أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً) فتنبه لحقيقة الأمر، وسره الباطني.
6- الهداية والضلال ليستا عشوائيتين، بل وفق حكمة بالغة، وقدر مرسوم، فالله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، والإنسان قد غُيِّب عنه القدر، وكُشِف له الشرع، وقيل له: اعمل، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار. وفي الأثناء، أوتي عقلاً، وقدرةً على الفعل أو الترك. ألا يكون بذلك مستحقاً للثواب أو العقاب؟ وإنما تتم له الحجة، لو كان يعلم سلفاً أنه من أهل الشقاوة، ثم قيل له اعمل. وأنى له العلم بالقدر! وهاهم الناس يتبعون الأنظمة المدنية، لما رتب عليها من جزاءات، ولا يرون في ذلك غضاضة. بل يفعل الإنسان ما يلائم صحته ورفاهيته، مع وجود القدر السابق، دون أن يمنعه ذلك من اتخاذ الأسباب. فكما أننا نفعِّل الأسباب المادية في حياتنا الدنيوية، فلنفعِّل الأسباب الشرعية في حياتنا الدينية.
7- دلائل وجود الله كثيرة متعددة واضحة، لا يحتاج فيها إلى ما ذكرت من قول بعض النصارى: (إذا سألت الله أن يبين نفسه لك سيبين) فهذه إحالة غير واضحة! دل على وجود الله: العقل، والفطرة، والحس، والشرع. والمقام لا يتسع لبسطها.
8- ما يجريه الله تعالى في الكون من أقدار مؤلمة، كما مثلت بالمشوهين، والمعوقين، وما لم تذكر؛ كالزلازل والبراكين..إلخ. إنما هو جزء من منظومة محكمة، كاملة، تمثل بمجموعها الحياة الدنيا، وليست المسألة بالتبسيط الذي تقترح؛ فخلف جميع الأقدار تكمن حكمة وابتلاء، ربما ندركها، أو ندرك بعضها، وقد يخفى علينا، أو على بعضنا، باقيها. ومن خلالها تظهر آثار أسماء الله الحسنى وصفاته؛ سواء صفات الكمال والجمال، أو صفات القدر والجلال. ومن خلالها تنشأ مختلف أنواع العبادات؛ من الصبر، والتوكل، والإحسان...إلخ.
وختاماً: آمل أن تعيد النظر في حالك، وأن تسعى في تجديد إيمانك، فالعمر لا يحتمل المجازفة، وليس أمامك إلا أصعب خيار؛ جنة أو نار! فاختر لنفسك، واعلم أن الله تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، واغتنم ما بقي من عمرك بتوبة، وإنابة، واسأل الله الهداية، توهب لك. وفقك الله ويسرك لليسرى، وجنبك العسرى.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ