إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون!
المجيب
د. قيس بن محمد آل مبارك
عضو هيئة كبار العلماء
التاريخ الاربعاء 11 رجب 1428 الموافق 25 يوليو 2007
السؤال

آمل الإفادة من معنى الحديث " المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" فأنا مهندس أعمل استشاريًّا ولله الحمد بالمدينة المنورة، و كنت أحلم بالعمل بها بعد مدة طويلة عملتها بالمملكة العربية السعودية ، وقد وافقت فوراً لأول عرض للعمل بالمدينة مفضلاً إياها عن أي مكان آخر، وإن كانت المميزات المادية فيه أعلى. والآن يعرض علي العمل في النرويج – ككبير مهندسين – لمشاريع الشركة في دول عديدة بمميزات مادية كبيرة جداً، فهل آثم على ترك المدينة؟ وأكون من خبث المدينة "المدينة تطرد خبثها"؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أما الحديث فرواه سيدنا عَبْدُِ اللَّهِ بْنُِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". صحيح البخاري (1875)، وصحيح مسلم (1388).
والعلماء متَّفقون على أن للمدينة المنورة فضلا على غيرها، وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة من حيث السكنى، ومن حيث أفضلية الصلاة في أي المسجدين، فالإقامة في المدينة خير من الإقامة في غيرها، لأنها حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجواره، وفيها مهبط الوحي، ولم يكره السكنى فيها أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، بخلاف مكَّة شرَّفها الله فإن من الصحابة مَن كره السكنى فيها، ولهم في ذلك تعليلات منها أن السيئات فيها تضاعف، ففي الإقامة في المدينة المنورة فوائد دينية وأخروية .
وفي الحديث تجهيل لمن فارقها وآثر غيرَها عليها، كما قال القاضي عياض، أي إذا كان الخروج من المدينة رغبة عنها، وكرهاً لها، وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو غير ذلك من الأمور المباحة والمندوبة، فلا يدخل في معنى الحديث .
وعليه فإذا كنت تجد راحة في عملك في المدينة، ويأتيك من الرزق ما يكفيك، ويعزك وأولادك عن النظر والتطلع إلى ما عند الآخرين، فخروجك من المدينة جائز، غير أنه خلاف الأولى، فلا يحسن منك والحال هكذا أن تتركها من أجل مزيد أجر، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ أنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه لَيَالِي الْحَرَّةِ فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلاَءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَىَ جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلأوَائِهَا. فَقَالَ لَهُ أَبَو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: وَيْحَكَ لاَ آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"لاَ يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَىَ لأوَائِهَا فَيَمُوتَ، إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً أَوْ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا كَانَ مُسْلِماً". صحيح مسلم (1374) فإن السكنى بها تزيد الإنسان يقينا وتقوى واهتداءً وبصيرة، في سرِّه وفي علانيته.
ومن باب أولى إذا كنت في حاجة إلى المال، ولم تجد فرصة إلا خارج المدينة، فلا إثم عليك إن شاء الله تعالى، ولست ممن تطردهم المدينة، فلا تتشاءم ، فأنت لم تخرج منها زُهداً فيها، وإنما أنت مضطرٌ إلى ذلك من أجل تحسين معيشتك .
ثم اعلم أن سكنى الإنسان في الأرض التي يكون فيها لله أقرب بالطاعة والخشوع أولى من السكنى في الأرض التي يتعرَّض فيها الإنسان للفتن، وهذا ما نبَّه إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى حين روى في موطئه (1261). أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ-يقصد الشام- فكتب إليه سلمانُ: إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الإنسانَ عَمَلُهُ، وهذه إشارة من سيدنا سلمان رضي الله عنه إلى أن وجوده في العراق قد يكون أفضل إذا كان على حالٍ من الطاعة أفضل، كالرباط في سبيل الله، أو غيره من أعمال البر .
فإذا كانت إقامتك في النرويج لفترة محدودة، وكان أولادك صغاراً، بحيث تأمن عليهم من الفتنة، فلا حرج عليك في السفر، خاصَّة إذا كانت لديك ثقافة إسلامية، واستثمرت سفرك لتصحيح صورة الإسلام هناك، والدعوة إلى الله، فوازن بين المصالح والمفاسد، واجتهد في ذلك، والله يوفقك ويسدد خطاك.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ