إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التشكيك في الصحابة!
المجيب
د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
التاريخ الخميس 26 رجب 1428 الموافق 09 أغسطس 2007
السؤال

بعض المشككين في الصحابة يثيرون بعض الأقوال على سيدنا عمر بن الخطاب، وذلك في قصة صلح الحديبية, حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من سيدنا عمر بن الخطاب أن يذهب لمفاوضة قريش، فأشار على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرسل سيدنا عثمان بن عفان؛ لأن له قرابة هناك تحميه، بينما هو (سيدنا عمر) ليس له قرابة. وهذه القصة لا أدري أصحيحة أم لا؟ ولكن إن كانت صحيحة فكيف نرد رداً مؤصلا على مآخذهم المزعومة على سيدنا عمر، وهي:
أولا: لماذا رفض عمر بن الخطاب أن يستمع لأمر الرسول؟ والله يقول: "وإن تطيعوه تهتدوا". وآيات أخرى كثيرة في سورة الأحزاب، مثلاً "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب:36]. وهكذا.
ثانيا: نفس الموقف تقريبا تكرر في غزوة الأحزاب، عندما أراد الرسول أن يرسل أحدا يستطلع خبر الأحزاب، وكان الصحابة يخفون أنفسهم في الحفر حتى لا يراهم الرسول، ولكنه اختار سيدنا حذيفة فقال –وهو راوي الحديث– (ما كان من طاعة رسول الله بد).
ثالثا: ماذا كان يخشى سيدنا عمر من قريش، وهو قد كان من أشد الناس إيمانا وحبا لله ورغبة في الشهادة, كما أنه لم يشتهر بقتل رجال كبار من قريش في غزوتي بدر وأحد حتى تطلب قريش دمه أو الثأر منه.
رابعا: هل ظن سيدنا عمر أن الحماية لعثمان ستتحقق له من خلال قرابته وأهله المشركين في قريش, أو ليست الحماية والأمن تكون من الله وحده سبحانه وتعالى؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذه القصة أوردها ابن إسحاق في السيرة بسنده، ومثل الوارد فيها ليس بمستغرب ولا عجيب في مثل هذه المواطن؛ لأنه من باب المشورة والرأي، وقد قبله صلى الله عليه وسلم وأمضاه كما حصل في عدد من الغزوات نظيره مع غير عمر رضي الله عنه، والله عز وجل قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه: "وشاورهم في الأمر" [آل عمران:159]. وقد كان عمر رضي الله عنه أسدّ الصحابة رأياً، وقد نزل القرآن يوافقه على رأيه رضي الله عنه إحدى وعشرين مرة، جمع رواياتها السيوطي في (قطف الثمر في موافقات عمر)، وقد كان إرسال عثمان رضي الله عنه أفضل وأتم تدبراً من إرسال عمر رضي الله عنه لوجوه عديدة، المذكور في طرف الرواية الوارد في السؤال واحد منها، ولذلك أقره النبي صلى الله عليه وسلم ورضيه وأمضاه.
ولكن المستغرب والعجيب أن ينصب المشككون أنفسهم في منزلة أعلى نظراً وعلماً من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قبل من عمر رضي الله عنه وأمضى رأيه ولم يعبه بشيء، بل حدث صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد زمن الحديبية الذي كان سنة ست للهجرة بأحاديث في فضائل عمر رضي الله عنه حتى توفاه الله، وقد أنزل الله في أهل الحديبية قرآنا برضاه عنهم، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أن الله حرم عليهم النار، وعمر رضي الله عنه منهم، وكل هذا وغيره لم يمنع المشككين من الاستدراك على قدر عمر رضي الله عنه ومنزلته، فلا النبي صلى الله عليه وسلم عندهم بمقبول الرأي والقول، ولا القرآن كذلك، وتمَّ لهم النظر فلاحظوا ما غاب عن الله ورسوله وأخذوا يستدركون به على الله ورسوله.
وعلى باطل هؤلاء يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قبل رأياً فاسداً، وسكت عن عصيان وتمرد، وأمضى ضلالاً وفسقا، ثم لم يكتف بذلك حتى ذهب يزكي صاحب هذا الرأي والعصيان والضلال، ثم لم ينته الأمر هنا حتى أقر الله نبيه على هذا وأيده بالوحي!!! –فهذا التشكيك الباطل يعود على الرسول ورسالته وعلى الرب سبحانه- نعوذ بالله من الضلال.
فأين هؤلاء المشككون من قول الله تعالى: "إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" [الأحزاب: 36]. يتفذلكون به؟؟!


إرسال إلى صديق طباعة حفظ