إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان (ملَك أم ملائكة.. تناقض مزعوم!!)
المجيب
محمد عدود
عضو اللجنة العلمية بالموقع
التاريخ الخميس 12 رجب 1428 الموافق 26 يوليو 2007
السؤال

رجل غير مسلم يقول: إن هناك تناقضاً في القرآن في قوله تعالى: "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه.."، وقوله تعالى: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا" في الأول ذكر "ملائكة" وفي الثاني ذكر ملَكاً واحداً. فأرجو التوضيح.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا - من القواعد المسلم بها في الشريعة الإسلامية (عقيدةً، وأصولَ فقهٍ) أن نصوص القرآن لا يقع بينها تناقض في واقع الأمر، وإن وجد منها نصان ظاهرهما التعارض فلا بد من دراستهما دراسة علمية ليتبين الواقع على حقيقته.. و يعتبر (اتحاد الموضوع) من أول ما يتعين البحث عنه في هذا المقام؛ لأن من شروط الحكم على النصين بالتناقض أن يثبت اتحاد موضوعهما.
ثانيا - الذي يقرأ الآيتين المشار إليهما في السؤال يجد الاختلاف والتغاير الواضح بين موضوعيهما؛ فآية سورة آل عمران موضوعها هو تقديم البشارة لمريم عليها السلام بقرب ميلاد ابن لها سيكون رسولا من الله إلى عباده، ولا غرابة في تعدد الملائكة الذين يحملون البشارة؛ لأن ذلك أشد وقعا في النفس.. أما آية سورة مريم فإن موضوعها هو تحويل البشارة إلى واقع، ولا غرابة أن يكون الملك هنا واحدا؛ لأن الوقائع لا تتعدد والفاعل المباشر لا يتعدد أيضا.
ثالثا – وعند استعراض الآيات الواردة في قصة مريم وابنها عليهما السلام في سورتي (آل عمران) و (مريم) يتبين مدى تكرر وتتابع خطابات الملائكة لمريم عليها السلام، ومدى تعدد منعطفات هذه القصة الشائقة، مما يكاد يجعل موضوع كل آية مختلفا عن موضوع الآية الأخرى!! فإلى استعراض سريع لهذه الآيات:-
1- فأول خطاب من الملائكة لمريم عليها السلام يقصه علينا القرآن كان يحمل لها البشارة باصطفاء الله لها وتطهيره إياها: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:42].
والإشارة – في هذا المقام - إلى اصطفائها وتطهيرها مع بشريتها إشارة ذات مغزى عظيم؛ لما فيها من الرد على فريقي أهل الكتاب؛ فهي (مطهرة) وهذا يسد الباب أمام ما رماها به اليهود عندما قالوا لها: (لقد جئت شيئا فريا) ... (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا). وهي – من ناحية أخرى – من (نساء العالمين) وهذا يقتضي بشريتها، ومن ثَم بشرية ولدها الذي يزعم النصارى ربوبيته.
2- والتحق بهذا الخطاب أمرها بالاجتهاد في التقرب إلى الله وعبادته: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران:43].
وعندما أذن الواحد الأحد في ابتداء ظهور سر من أسرار هذا التطهير والاصطفاء والقنوت والركوع والسجود تجدد الخطاب.
3- الخطاب الثالث يحمل البشارة لها بأنها ستلد ولدا اسمه عيسى، مع بيان بعض صفاته، والثناء عليه: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 45- 46].
وجاء ضمن هذا الخطاب مناقشتها في ذلك، وظهر في نفس السياق استغرابها لحصول ولد على غير السنة الكونية المعهودة في الخلق: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) [آل عمران: 47].
فجاءها الرد بأن قدرة الله سبحانه وتعالى لا تقف عند حدود المعهود البشري، فالله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء لا راد لقضائه: (قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 47].
ومع أن مناقشتها أجيبت بأن هذا الأمر من قضاء الله الذي يجب تلقيه بالرضا والاستسلام، فقد أعطيت المزيد من البشارات المتعلقة بولدها: فسيكون رسولاً إلى بني إسرائيل، وستظهر على يديه المعجزات الباهرة.. إلى آخر ما ذكره.
وقربت لها الصورة بشكل عجيب، في انسجام معجز، حتى صارت كأنها تستمع إليه وهو يخاطب بني إسرائيل : (... أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ) [آل عمران:49]
فهذه الآيات تحكي المنعطف الأول في قصة مريم عليها السلام، ولا غرابة عند تعدد البشارات أن يتعدد الملائكة الذين يحملون هذه البشارات كما سبق.
4- أما ما ورد في سورة مريم عليها السلام فإنه يحكي المنعطفات الثاني والثالث والرابع في قصتها.
أ- فعند ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يحول البشارة إلى واقع جاءها الملك في صورة بشر ولم يتعدد الملائكة في هذا المقام؛ لأن الواقع لا يتعدد، ولأن الفاعل المباشر لا يتعدد كما سبق.. وقص الله علينا ما دار بينها وبين الملك – بهذا الخصوص – من حوار: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) [مريم: 18-21].
ب- أما المنعطف الثالث في هذه القصة فهو يوم المخاض، ولم يكن يوم مخاض لميلاد عيسى عليه السلام فقط، بل كان يوم مخاض وتفجُّر لقضية تمنت مريم عليها السلام الموت قبل ولادتها وتفجرها (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) [مريم:23].
وكان من المناسب أن يثبَّت فؤادُها ويُبَيَّن لها – من جديد – أنها سائرة في طريق صحيح، وأن تُرشد إلى ما عليها فعله مما تستعيد به توازنها الجسمي والنفسي، وتلقَّن إجابات تساؤلات وشكوك الناس؛ ولهذا أظهر الله سبحانه وتعالى لها هذه المعجزة التي جسَّدت على أرض الواقع ما كانت الملائكة تبلغه لها من بشائر: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) [مريم:24 - 26].
ج- وكان المنعطف الأخير يوم المواجهة (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم:27 - 28].
وعندما بلغت المواجهة ذروتها، وبلغ الاتهام أوْجه، جاء الفرج، وجاء الانتصار، وظهرت المعجزة: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:29 - 33] !! والله سبحانه وتعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ