إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الترضي عن الصحابة.. رغم ما وقع بينهم
المجيب
د. محمد بن عبدالله السحيم
أستاذ مشارك في جامعة الملك سعود كلية التربية- قسم الدراسات الإسلامية
التاريخ الاثنين 16 رجب 1428 الموافق 30 يوليو 2007
السؤال

إنني أتساءل عن صيغة: "رضي الله عنه"، حيث نجدها كثيرا بعد ذكر أشخاص مهمين في التاريخ الإسلامي. و قد علمت أن عائشة و علي تقاتلا في معركة الجمل؛ فكيف نعجب بأشخاص بعد أن كانوا مثالاً و قدوة في التقوى المخلصة، قادوا المسلمين إلى قتل إخوانهم، وخاصة عندما نعلم أنه إذا تقاتل مسلمان فكلاهما في النار؟ فهل من الممكن أن تشرحوا لي: لماذا يستخدم العلماء هذه الصيغة بعد أسماء الذين ارتكبوا أخطاءً منكرة (كما يبدو لي)؟

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد.
الجواب: تضمن السؤال عددا من النقاط، وهي كالتالي:
1- الترضي عن الصحابة عامة، وعلي وعائشة رضي الله عنهما من خيارهم، إنما نترضى عنهم لأن الله رضي عنهم، وذكر رضاه عنهم في آيات كثيرة، كقوله تعالى:" لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا". الفتح، وقوله جل ثناؤه:"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"[ التوبة100].
2- فالمسلمون يترضون عنهم اقتداءً بالكتاب الكريم، ومتابعة للرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- حيث أوصى في أحاديث كثيرة بذكر محاسنهم والثناء عليهم، وبين أن علامة الإيمان محبتهم، وأن علامة النفاق بغضهم، وذكر أن صحبتهم له –صلى الله عليه وسلم- لا يعدلها شيء بعد الإيمان بالله، كما قال –صلى الله عليه وسلم- "لا تسبوا أصحابي فلوا أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
أما ما وقع بين على ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم أجمعين فلا شك أنه من الفتن التي أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- بوقوعها، والفتن إذا وقعت جعلت الحليم حيران، ووقع ممن يعرف عنه العلم والفضل والدين أمور لا تقع منه في غير زمن الفتنة، ومع ذلك فعلي رضي الله عنه ممن شهد له النبي –صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وله فضل الصحبة والجهاد والسوابق العظيمة في الإسلام التي قل من يشاركه فيها، وعائشة رضي الله عنها هي زوجة نبينا –صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، وهي أحب زوجاته إليه، وفضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وفضلها في هذا الدين لا ينكره إلا من لا يعرف قدرها، ومعاوية –رضي الله عنه- من كتبة الوحي للرسول –صلى الله عليه وسلم- وله خصال ومزايا محمودة حوتها كتب السيرة والسنة.
ومع ذلك فما وقع من الفتن التي وردت في كتب السنة أو السيرة فموقفنا منها قد أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العقيدة الواسطية، حيث قال:(فصل) ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله كما وصفهم الله به في قوله تعالى :"والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم"، وطاعة النبي في قوله "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح- وهو صلح الحديبية - وقاتل، على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر- وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر- اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة، ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما دلت الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان بالبيعة، ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم أذكركم الله في أهل بيتي، وقال أيضا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي، وقال: إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم، ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمهات المؤمنين)، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصا خديجة رضي الله عنها أُم أكثر أولاده و أول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية.
والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر من الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله. انتهى .
فعلى هذا يكون كلام الشيخ رحمه الله قد تضمن الإجابة على المسألة المتعلقة بعلي –رضي الله عنه-.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ