إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان طلب الحكم من المحاكم غير الإسلامية
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ السبت 21 رجب 1428 الموافق 04 أغسطس 2007
السؤال

إذا كان التحاكم إلى الطاغوت شركا، فما هي حجج العلماء الذين يجيزونه بسبب أقل من الإكراه (الضرورة)؟ وبالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في أوروبا، في أي حال يجوز لنا - من أجل تسوية خلاف- أن نطلب الحكم من محكمة غير إسلامية؟ أرجو أن توضحوا لنا هذه المسألة؛ لأن نزاعات كثيرة و اتهامات بالكفر تحدث بسبب هذه المسألة؟ و هل يوجد اختلاف بين الفقهاء في هذا الموضوع؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهندى بهداه، وبعد:
فمما لا شك فيه أن التحاكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله هو تحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به، كما قال تعالى:" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً" [النساء:60]. وقد نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، قال تعالى:" فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" [النساء:65]. وعدّ الحكم بغير ما أنزل الله كفراً وظلماً وفسقاً، ووصفه بحكم الجاهلية المقتضي للتحذير والتنفير والإبطال.
ولا شك أن التحاكم إلى تلك المحاكم التي تحكم بغير ما أنزل الله عن رضا وطواعية واستحسان أن ذلك من الكفر الأكبر المخرج من الملة.
أما من ألجئ إلى تلك المحاكم بالإكراه والإجبار، كأن يستدعى للمثول أمامها للترافع في دعوى مقامة عليه فهو هنا في حكم المكره الذي لا إثم عليه إن شاء الله كما قال تعالى:" إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ"[النحل: 106].
لكن هل يلحق بهذا من كان له حق أو مظلمة، ولا يمكن استيفاء حقه، أو دفع تلك المظلمة عنه إلا بالتحاكم إلى تلك المحاكم القانونية، هل يسوغ له شرعاً الترافع إلى تلك المحاكم؟ هذه محل نظر، والضرورات تقدر بقدرها. ولكنه لو تحاكم إلى تلك المحاكم لاستخلاص حقه أو دفع الظلم عنه الذي لا يمكن دفعه إلا عن طريقها فإنه لا يكفر-إذا قلنا بالمنع من ذلك- إذا كان عالماً معتقداً عدم جواز التحاكم إلى غير شرع الله، وغير راض بذلك، وغاية ما فيه إن قلنا بالتحريم أن حكمه حكم الحاكم بغير ما أنزل الله إذا حكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله لهوى أو لخوف أو لغير ذلك وهو مانص عليه العلماء بأنه لا يخرج من الملة وعدّوه من الكفر الأصغر.
وعلى من ابتلي بمثل هذا أن يجتهد قدر المستطاع بألا يتحاكم إلى غير ما أنزل الله ولو ذهب بعض حقه، وأن يلجأ إلى الوسائل الأخرى كالإصلاح مثلاً، أو تحكم من يوثق بدينه وعلمه من علماء الشريعة، أو التنازل عن بعض حقه فيقدم دنياه دون دينه.
وعلى إخواننا المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفر التي لا توجد فيها محاكم شرعية أن ينشئوا لجاناً شرعية من الأكفاء عندهم للتحاكم إليها، وإصلاح ذات البين فيما يقع بينهم؛ حتى لا يلجؤوا إلى التحاكم إلى الطواغيت الذين قد أمروا أن يكفروا بهم. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ