إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اعتراضات على الشرع والقدر!
المجيب
أ.د. عبد البديع أبو هاشم
الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر
التاريخ السبت 08 شوال 1428 الموافق 20 أكتوبر 2007
السؤال

لماذا نقيم الصلاة باللغة العربية فقط على عكس الديانات الأخرى، ولماذا يحاسب الإنسان على أعماله وهو لم يخلق بإرادته، ولم يختر وجوده في هذه الدنيا ولم يختر وجود الخير والشر، ولم يختر وجود الإيمان والكفر، فكيف يحاسب على شيء فعله -وإن كان شراً- وهو لم يصنعه في الأصل، فإذا كان الحساب فالأولى أن يكون الإنسان عدما بدل أن يعذب في الدنيا والآخرة.
وما قولكم في أميٍّ مؤمن عاش طوال حياته في ضيق وفقر، ويشتكي من حالته هذه، حيث يقول: ما ذنبي في هذا، إني بريء؟ والكافر الذي ولد في أسرة كافرة، ويكرهونه الإسلام والمسلمين كيف يحاسب وهو بريء ولد في أسرة كافرة، وأبواه عملا كل ما في وسعهما ليكره الإسلام؟

الجواب

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل التوراة بلغة والإنجيل بلغة، والقرآن بلغة، وجعل القرآن مهيمنًا على كل الكتب السابقة، والله سبحانه هو الذي شرع لأصحاب الكتب السابقة الصلاة بلغاتهم، وقد شرع للمسلمين الصلاة باللغة العربية فقط على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، فلا تصح الصلاة إلا باللغة العربية.
ولقد أجاز الفقهاء لمن يعجز عن التكبير والتسبيح وقراءة القرآن بالعربية أن يصمت ويصلي صلاته مثلما يفعل من فقد النطق، والكلام، فيؤدي حركات الصلاة بدون كلام.
ولقد طفت أكثر من ثلاثين دولةً لا يتكلمون بالعربية، وقد وجدتهم يحسنون التكبير والتسبيح وقراءة القرآن، وإن لم يفهموا ما يقرؤون إلا أن صلاتهم صحيحة.
أما مسألة محاسبة الإنسان على أعماله، فالإنسان مسؤول عن أعماله، فالله سبحانه وتعالى قد جعل للإنسان اختيارًا ومشيئةً، فلو كنت قرأت القرآن، وفهمت ما فيه لعلمت ذلك، قال تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الأعراف:172-174]. وهذه الآية تسمى آية العهد والميثاق.
لقد استخرج الله من ظهر آدم كل نسمة كائنة إلى يوم القيامة، وأشهدهم على أنفسهم، وأخذ منهم الميثاق على توحيده سبحانه وعبادته فشهدوا، ثم جاءت الرسل والكتب تذكيرًا لهذا الميثاق، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها، قال تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا"، [الكهف:29]. وقال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [يونس:99].
أما مسألة الابتلاء بالفقر والغنى، فاعلم يا أخي الكريم! أن الله سبحانه وتعالى قال: "فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا" [الفجر:15-17]. فالله سبحانه وتعالى قد بين أنه إن ابتلى أحدًا بالفقر فليس ذلك علامةً على الذلة والمهانة، وإن ابتلى أحدًا بالغنى فليس علامةً عن الرضا، فالابتلاء يكون بالخير والشر، ومن الناس من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه الله لفسد حاله، ومن الناس من لا يصلحه إلا الغنى، ولو ضيق الله عليه لفسد حاله.
أما من ولد من أبوين كافرين فإنه عندما يبلغ الحلم وينضج عقله، يستطيع النظر في أحوال الخلق والقراءة في الأديان ليتخير الدين الحق، فهذه مسؤوليته أن يعبد الله على علم، ولا يترك نفسه مقلدًا لأبويه.
ولا يغرنك يا أخي كثرة الهالكين، واحرص على ما ينفعك. نسأل الله العظيم أن يحفظ المسلمين وأولاد المسلمين من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وعليك أخي الكريم بالتقرب والاقتداء بأهل العلم. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ