إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل تتعدد الدية بالاشتراك؟
المجيب
د. عبدالقادر جعفر جعفر
أستاذ مشارك في الاقتصاد الإسلامي بالجزائر
التاريخ الاربعاء 05 شوال 1428 الموافق 17 أكتوبر 2007
السؤال

ما حكم جماعة من الجنود كانوا في مهمة لتتبع العدو، فدخلوا غابة كثيفة الأشجار، فسمعوا حركة فظنوا أنها للعدو، فأطلقوا النار كلهم صوبها، ثم فوجئوا بعد برهة أن القتيل لم يكن العدو المقصود وإنما كان أحد زملائهم، وقد قتل خطأ.. فعلى من يقع عبء الكفارة والدية؟ هل هي على الجميع أم على كل واحد منهم لأن القاتل مجهول؟ أم أن دمه هدر لا كفارة فيه ولا دية؟

الجواب

الأخ الكريم، بارك الله فيك وجزاك الله خيرا على اهتمامك بدينك، ونسأل الله لنا ولكم السلامة من دماء المسلمين.
ثم إن الحكم في أمر الدماء يحتاج إلى معرفة ملابسات القتل بتفصيل، فإن لدوافع القتل المختلفة، وطبيعة الوسيلة المستعملة، ووضع المقتول وكذلك وضع القاتل بالنظر إلى شرعيته وعدمها، وغير ذلك من المسائل لها أثرها في الحكم.
ولذلك رأيت أن أفيدك بأحكام عامة في هذا الشأن، وتنظر ما الذي يوافق الحدث لعلك تصل إلى الحكم بحول الله.
ذهب العلماء، ومنهم الإمام مالك -رضي الله عنه- إلى أن الجماعة إذا قتلت مسلما خطأ فإن عليها دية واحد، وعلى كل واحد منها كفارة تامة.
وينطبق الحكم على اشتراك جماعة في قتل شخص خطأ، كأن يصوِّب جماعة سلاحهم ويصيبونه في رميهم. فلا يدخل فيهم من لم يصب رصاصه القتيل.
فعلى كل من شارك فعلا في القتل الدية، وهي على عواقلهم، كل بقدر طاقته، وعواقلهم كل أقاربهم الذكور، وفي حالة عجزهم عن دفعها، أو التباس أمر القتل تجب في بيت المال (الخزينة العامة) خصوصا في زماننا، وفي مثل هذه الحادثة.
وعلى كل واحد كفارة. والكفارة: تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب... فإن لم يجد –وهذا هو حالنا اليوم- فإن عليه صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع انتظر القدرة على الصيام... ولا يكفي إطعام ستين مسكينا، لأنه لا إطعام في كفارة قتل الخطأ.
قال الله تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً". [النساء:92].
قال القرافي في الذخيرة (10/11): "ظن الإباحة يصيّر العمد خطأ: كقاتل رجل في أرض الحرب غلبة، وفي الكفار وهو مسلم، فلا قصاص، وفيه الكفارة والدية".
ومعلوم أن من القتل خطأ: أن يفعل ما يجوز له فعله فيقتل مسلما فعليه الدية والكفارة. وحتى وإن فعل ما لا يجوز له فعله كأن يقصد قتل معصوم الدم فيصيب غيره فهو خطأ لأنه لم يقصد قتله، وقال بعضهم: هو عمد لكونه قصد فعلا محرما قتل به إنسانا.
ولو قتل مسلما كان ضِمْن كفار -لأنه كان يكتم إيمانه- فهو خطأ. وهذا فيه دية و فيه الكفارة". راجع المغني لابن قدامة: (7/650/651)، والكافي لابن عبد البر (ص594).
وبغض النظر عن ملابسات الحادث وعن هذا الذي ذكرتُ لك، فإنَّ على من بدر منه ذلك أن يكثر من الاستغفار، لأن كثيرا مما يحدث في البلاد العربية يغلب عليه أن يكون من قبيل الفتن، نعوذ بالله منها، وعلى المسلم أن يتقي شرَّها، باجتناب أسبابها، وعدم التورُّط فيها.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه". رواه البخاري ومسلم.
وقال الخطابي: "هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية أو طلب ملك مثلا, فأما من قاتل أهل البغي أو دفع الصائل فقتل فلا يدخل في هذا الوعيد؛ لأنه مأذون له في القتال شرعا".
وتأمل أخي وانظر: هل في الأطراف المتصارعة جميعها من يقاتل بقصد نصرة الدين، ورفع راية الإسلام، وحماية بيضة المسلمين من الكفار وبالطرق المشروعة المفصلة في الفقه الإسلامي؟
فأقل ما يقال فيها: إنها فتن لعن من أشعلها، ومن يحرّكها، ومن يديرها.
وعن خالد بن عرفطة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا خالد إنه سيكون بعدي أحداث و فتن و اختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل". رواه أحمد والحاكم وغيرهما بألفاظ مقاربة.
والسبب في أن يرضى المسلم بأن يُقتل دون أن يقتُل غيره هو تعارض مفسدتين: مفسدة أن يصيب دم غيره ويتحمل وزره، ومفسدة أن يقتل فيتحمل الغير وزر دمه، والمفسدة الثانية أخف من الأولى بالنظر إلى التبعات في الآخرة.
وهذا التوجيه النبوي أولى من قول بعضهم في مثل هذه الحال: "لأن تبكي أمُّه أولى من أن تبكي أمي"، لأن هذا قول من لا يلقي بالا لعواقب القتل في الآخرة.
والأولى بالمسلمين الجنوح للمسالمة والمصالحة.
نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من إصابة دماء المسلمين وأموالهم بغير حق شرعي. اللهم آمين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ