إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حديث: "العجوة" بين الخصوص والعموم
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاثنين 17 شوال 1428 الموافق 29 أكتوبر 2007
السؤال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" وفي رواية "سبع تمرات"، وفي رواية: "من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي". يشكك أعداء الإسلام في صحة هذا الحديث .. فهل ثبت اليوم من خلال الاختبارات العلمية أن سبع تمرات كافية لمنع التسمم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إجابة على السؤال حول الروايات الخاصة بالتمر، وكيف تناولها السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ أقول مستعينا بالعلي القدير علام الغيوب، سائله تعالى حسن الفهم والتسديد والعون والتأييد:
جاءت الروايات الخاصة بالتمر في معرض الثناء على بعض الأطعمة لحسن ذوقها ونفعها خاصة في البيئة العربية، حيث كان للتمر وما زال المكانة الرفيعة؛ فلا وجه إذن لمعترض، وأما من حيث الثبوت فمرجعه للمختصين في علم الحديث، وقد جاء في كتاب (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار): "لأبي الشيخ من حديث أنس: (كان أحب الطعام إليه الدباء)، وله من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف: (كان أحب الصباغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخل)، وله بالإسناد المذكور: (كان أحب التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العجوة)، (و) حديث: (دعا في العجوة بالبركة)، وقال: (هي من الجنة وشفاء من السم والسحر) أخرجه البزار والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن الأسود، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد سدوس فأهدينا له تمرا، وفيه: حتى ذكرنا تمر أهلنا هذا الجذامي، فقال: (بارك الله في الجذامي، وفي حديقة خرج هذا منها..) الحديث، قال أبو موسى المديني: قيل هو تمر أحمر، و(أخرجه) الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة: (العجوة من الجنة وهي شفاء من السم).
وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص: (من تصبح بسبع تمرات من عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر)" (1) وفي كتاب (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد): "قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ السَّبْعَ مِنْ الْعَدَدِ تَبَرُّكًا لِأَنَّ لَهُ شَأْنًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْدَادِ فِي مُعْظَمِ الْخَلِيقَةِ وَبَعْضِ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَصْدُهُ إلَى سَبْعِ قِرَبٍ تَبَرُّكًا بِهَذَا الْعَدَدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ كَثِيرًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ سَبْعًا سَبْعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا فِي الطِّبِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ" وَمِنْهُ تَكْرِيرُ عَائِدِ الْمَرِيضِ الدُّعَاءَ لَهُ بِالشِّفَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ)" (2)، وفي كتاب (جامع الأصول من أحاديث الرسول): "(عن) سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن اصْطّبَحَ كلَّ يوم سَبْعَ تمرات من عجوة لم يضُرَّه سُمّ ولا سِحْر ذلك اليوم إلى الليل"، وفي رواية: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن تَصَبَّحَ بسبعِ تمرات عجوة لم يضرَّه ذلك اليوم سُمّ ولا سحر"، وفي أخرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن أكل سبع تمرات من بين لاَبَتَيْها حين يُصبح لم يضرَّه سُمّ حتى يُمْسِي" أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج أبو داود الثانية، وأخرج مسلم الثالثة والأولى.. وفي أخرى لأبي داود قال: مَرِضْتُ مرضا فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُني فوضع يده بين ثَدْيَيَّ حتى وجدتُ بَرْدَها على فؤادي فقال: "إنك رجل مَفْؤُود ائْتِ الحارث بن كَلَدةَ أخا ثَقيف فإنه رجل يَتَطَبَّبُ فلْيأخُذ سبعَ تمرات من عجوة المدينة فَلْيَجأهُنَّ بنَوَاهُنَّ ثم لْيَلُدَّكَ بهن"(3).
وأما من حيث تفسير الروايات والآثار الخاصة بالتمر فقد قال بدر الدين العيني (رحمهم الله تعالى جميعا) في كتابه (عمدة القاري شرح صحيح البخاري): "أخبرنا عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي "من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل"، وقال غيره: (سبع تمرات)..، (و) قوله (من اصطبح) في رواية أبي أسامة (من تصبح)..، وكذا في رواية مسلم.. كلاهما بمعنى التناول صباحا.. (و)لم يذكر العدد في رواية.. شيخ البخاري ووقع في غير هذه الرواية مقيدا بسبع تمرات.. بزيادة لفظة (سبع).. الأول قيد بقوله (اصطبح)؛ لأن المراد تناوله بكرة النهار حتى إذا تعشى بتمرات لا تحصل الفائدة.. (و) هذا تقييد بالزمان. وجاء في رواية أبي ضمرة التقييد بالمكان أيضا، ولفظه (من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية)، والعالية القرى التي في جهة العالية من المدينة.. وله شاهد عند مسلم.. عن عائشة بلفظ "في عجوة العالية شفاء في أول البكرة"؛ لأن السر فيها أنها من غرس النبي عليه الصلاة والسلام.. ووقع في رواية النسائي من حديث جابر رفعه: (العجوة من الجنة وهي شفاء من السم)، وقال الخطابي: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لتمر المدينة لا لخاصية في التمر"(4).
وعبارة أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في كتابه (كشف المشكل من حديث الصحيحين): "قال أبو سليمان الخطابي: وكونها عوذة من السم والسحر؛ إنما هو من طريق التبرك لدعوة من الرسول سبقت فيها، لا لأن من طبع التمر أن يصنع شيئا من ذلك"(5)، وقال فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان: "وقد اشترط كثير من أهل العلم في التمر أن يكون من العجوة على ما جاء في الخبر، ولكن ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن لفظ العجوة خرج مخرج الغالب، فلو تصبح بغير تمر العجوة نفع، وهذا قول قوي؛ وإن كنت أقول إن تمر العجوة أكثر نفعاً وتأثيراً وبركة، إلا أن هذا لا يمنع التأثير في غيره"(6).
وقد عرض الدكتور لطفي بن محمد الزغير رأيه في رسالته الخاصة بدفع توهم التعارض في الحديث مع الواقع بقوله: "ووصف السُّجود والاستئذان وعدم الإذن تقريبٌ لما هو عليه حال الكواكب كلّها من خُضوعٍ لبارئها وانصياعها لقانون أودعه الله فيها لا يتخلَّف إلّا متى شاء الله سبحانه، ومن أمثلة هذا النَّوع ما رواه الشَّيخان عن سعد بن أبي وقاصٍ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمْرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلا سِحْرٌ"، قال المَازريُّ: هذا مما لا يُعقل معناه في علم الطِّبِّ، ولو صحَّ أن يخرج لمنفعة (في) التَّمر (ذاته، فلماذا إذن).. الاقتصار على هذا العدد الّذي هو سبْعٌ.. (و)الاقتصار على هذا الجنس الّذي هو العجوة، ولعلَّ ذلك كان لأهل زمانه صلّى الله عليه وسلّم خاصَّةً أو لأكثرهم، إذ لم يثبت عندي استمرار وقوع الشِّفاء بذلك في زمننا غالباً، وإنْ وُجد ذلك في الأكثر حُمل على أنَّه أراد وصف غالب الحال.
ونقل ابن حَجَرٍ عن القاضي عِياض أنَّه قال: (تخصيصه ذلك بعجوة العالية وما بين لابتي المدينة يرفع هذا الإشكال ويكون خُصوصاً لها).. وأغلب العلماء حملوا الحديث على الخُصوِصيَّة، أي خصوصيَّة عجوة المدينة، وبعضهم وافق المَازِريَّ في أنَّ الحديث خاصٌّ بزمن نُطْقِهِ، وبناءً على ذلك فقد يُخطئ من يتَّخذ هذا الحديث كوصفةٍ طِبِيَّهٍ يجعلها من المُسلَّمات الّتي لا تتخلَّف، فإن أعطاها لإنسانٍ ولم يصدُق عليه هذا الحديث كان مدخلاً للوَساوس وغيرها إلى نفسه.. إذاً فعلينا الحذر في هذا المجال، ولنحمل الحديث على الخُصوصيَّة أولى وأفضل"(7). والله أعلم.
اقرأ أيضاً:
دلالة العدد (7) في القرآن الكريم (111982).
الاستشفاء بتربة المدينة (127434).



(1) المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار (ج 3 / ص 45).
(2) تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد (ج 9 / ص 72).
(3) جامع الأصول من أحاديث الرسول (ج 1 / ص 5708).
(4) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (ج 31 / ص 411).
(5) كشف المشكل من حديث الصحيحين (ج 1 / ص 160).
(6) أرشيف ملتقى أهل الحديث (ج 2 / ص 2308).
(7) أرشيف ملتقى أهل الحديث (ج 4 / ص 13949).

إرسال إلى صديق طباعة حفظ