إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان علاقة البكتيريا والمكروبات بالجن
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاحد 08 ذو القعدة 1428 الموافق 18 نوفمبر 2007
السؤال

سمعت أن الميكروبات نوع من الجان!! ويستدلون لذلك بالحديث عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فناء أمتي بالطعن والطاعون قالوا: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن، وفي كلٍّ شهادة" رواه أحمد.
أرجو معرفة هل هذا الحديث صحيح، وما تفسيره؟ وهل فعلا بكتريا الطاعون جان؟ كيف ذلك ويمكننا رؤيتها بالميكروسكوب، وقتلها بالأدوية ونعرف تركيبها وشكلها؟!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فجوابًا على شبهة نسبة الطاعون إلى الجن في الحديث كما كان يُعتقد قديما في نسبة الأوبئة للجن والشياطين بينما السبب كائنات مجهرية مما قد يعني ضعف الأثر بمخالفته للواقع، وهل يعني لو صح أن البكتريا هي الجن لأنها خفية بالمثل عن العين؛ أقول مستعينا بالعلي المقتدر سائله تعالى التوفيق والسداد:
أولاً: القول بأن البكتريا من الجن تكلف:
الحقيقة أن مرض الطاعون Plague في المعرفة الطبية الحديثة يرجع إلى بكتريا بهيئة عصية يمكن معاينتها مجهريا في دم كل مصاب باستخدام صبغ خاص Wayson stain وتسمى عصية الطاعون plague bacillus (Pasteurella pestis) أو العصية اليرسينية Yersinia pestis نسبة للفرنسي ييرسن Yersinالذي أعلن عن اكتشافها عام 1894 في نفس الوقت مع كيتاساتو Kitasato في هونج كونج، وهو مرض وبائي معدٍ خطير تحتضنه القوارض، وينتقل للإنسان خلال لدغات البراغيث ويؤدي بسرعة كبيرة إلى وفيات بأعداد هائلة ويسمى الموت الأسود Black Death، وقبل التعجل في استنباط دلالة أثر ينبغي استقراء كافة المتعلقات تجنبا للتكلف، وقبل التعجل في الحكم على متن رواية صحيحة الإسناد بالغرابة ينبغي بالمثل التيقن من أنها تصادم حقيقة يقينية بما لا يقبل التأويل، وهذا كله في محيط التحري والتحقيق العلمي المجرد بعيدا عن غرض التشويش وإثارة الشبهات طعنًا في السنة النبوية، والقول بأن البكتريا هي الجن تدفعه نصوص الكتاب والسنة، حيث تصفه بأوصاف لا تلتقي مع البكتريا، والأصل في الغيبيات المطلقة التفويض والتسليم بلا تكييف؛ وإلا كيف تكون البكتريا مستورة نصًَا وهي معاينة مجهريًّا، فهو إذن اجتهاد غير مطابق وإن احتمله بعض الفضلاء، قال الشيخ عبد الحميد طهماز: "النصوص القطعية صريحة في بيان خطأ من يقول إن الجراثيم من أنواع الجن" (كتاب الأربعون العلمية للأستاذ عبد الحميد محمود طهماز)
ثانياً: التفويض سبيل جمهور العلماء في الغيبيات:
قال ابن حجر (رحمهم الله تعالى جميعا) في فتح الباري: "أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء فهو.. من الأمراض العامة.. (و) يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض.. (أو) كثرة الموت..، (و) من أطلق على كل وباء طاعونا فبطريق المجاز.. (و) تعريف الطاعون.. كونه من طعن الجن.. لا يخالف ذلك ما قال الأطباء.. وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن لأنه أمر لا يدرك بالعقل وإنما يعرف من الشارع..، وقال الكلاباذي في معاني الأخبار: يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين قسم يحصل.. من غير سبب يكون من الجن، وقسم يكون من وخز الجن.. وإن لم يكن هناك طعن.. من طعن الإنس.. وهذا بخلاف طعن الإنس.. (الذي) يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولا ثم يؤثر في الباطن" (فتح الباري لابن حجر (ج10/ص180). وقال بدر الدين العيني في عمدة القاري: "وطعن الجن أمر لا يدرك بالعقل فلم يذكروه" (عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج31/ص343).
ثالثاً: إمكان إيذاء الشيطان للإنسان جسمانيا قضية خلافية:
قال الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: "اختلف العلماء اختلافاً كثيراً في مس الشيطان للإنسان هل يتعدى ذلك إلى البدن فيصيبه بالسقم والمرض والأوجاع والآلام الشديدة حتى يصل إلى حالة الصرع والجنون كما هو متداول بين الناس اليوم بقولهم (فلان قد لبسه شيطان)، فذهب بعض العلماء إلى الجواز، وذهب البعض الآخر إلى عدم الجواز معللين بأن الشيطان لا يستطيع ذلك ولا قدرة له عليه ولا يملك إلا الوسوسة، واستندوا إلى أدلة منها قوله تعالى: "إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً" [النساء:76]. وقد استدل المجيزون لإمكان دخول الجن جسم الإنسان إلى أدلة كذلك منها قوله تعالى: "وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ" [ص:41]. ولكن العلماء الذين منعوا أن يكون ذلك من الشيطان قد فسروا الآية تفسيراً ينسجم مع الآيات الأخرى والأحاديث الصحيحة والتي تبين أن الشيطان لا سبيل له على المؤمنين المخلصين، قال تعالى: "إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ" [الحجر:42]. فمن باب أولى أن لا يتسلط الشيطان على الأنبياء في أبدانهم وأموالهم وأولادهم وهو ما جزم به ابن العربي ونقله عنه القرطبي.. (ج15ص209)، ومنهم من فسر الآية على أن ما حصل لأيوب عليه الصلاة والسلام من الابتلاء في البدن والمال والولد إنما هو من الله تعالى وأضيف إلى الشيطان تأدباً مع الله سبحانه وتعالى.. كما قال الرازي (ج26ص213).. (و) قد نقل الرازي (ج7ص88) عن الجبائي قوله بأن الصرع إنما يحدث عند وسوسة الشيطان من ضعف الطباع بحيث يخاف الإنسان فيصرع كما يصرع الجبان من الموضع الخالي ولهذا لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين، وقد أبطل أن يكون للشيطان مدخل على الإنسان إلا من جهة الوسوسة مستشهداً بالمعقول والمنقول، وكذلك أنكر القفال من علماء الشافعية دخول الجن جسم الإنسان، وقال بأن الناس إنما يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن فخوطبوا على ما يعرفون كما في قوله تعالى: "طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ" [الصافات:65]. فإن من عادتهم أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان، وقال الزمخشري (ج1ص399): "كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان"؛ أي المصروع، وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه..، فورد على ما كانوا يعتقدون، والمس الجنون، ورجل ممسوس.. أيضاً من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن.. ولهم في الجن قصص وأخبار وعجائب وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات، وقال أبو السعود (ج1ص399): "هو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع من المس وهذا أيضاً من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله" (بحث منشور في الشبكة الدولية للشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.
وقال الشيخ محمد الغزالي: "أما الآية الكريمة: "لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" فجمهور المفسرين على أن ذلك يوم الجزاء..، ونقل الشيخ رشيد عن البيضاوي في هذا التشبيه أنه وارد على ما يزعمون من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع..، ثم قال صاحب المنار: (فالآية على هذا لا تثبت أن الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقة ولا تنفي ذلك)..، وأما الحديث الآخر وهو أن الطاعون وخز الجن وهم أعداء البشر يكفينا في شرحه صاحب المنار عندما قال: (يرى المتكلمون أن الجن أجسام حية خفيفة لا ترى، وقد قلنا.. إن الأجسام الحية الخفيفة التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات يصح أن تكون نوعا من الجن وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض، قلنا ذلك في تأويل ما ورد من أن الطاعون من وخزن الجن).. على أننا نحن المسلمون لسنا في حاجة إلى النزاع فيما أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا دليل في العلم عليه لأجل تصحيح بعض الروايات الأحادية، ونحمد الله على أن القرآن أرفع من أن يعارضه العلم..، وننظر إلى الموضوع من خلال أقوال العلماء المحققين، قال صاحب المنار في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم: (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها)؛ فسر البيضاوي المس هنا بالطمع في الإغواء، وقال الأستاذ الإمام: إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة، ولعل البيضاوي يرمي إلى ذلك، وقال الشيخ رشيد: والحديث صحيح الإسناد بغير خلاف ويشهد له من وجه حديث شق الصدر وغسل القلب بعد استخراج حظ الشيطان منه وهو أظهر في التمثيل، ولعل معناه أنه لم يبق للشيطان نصيب في قلبه ولا بالوسوسة، كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في شيطانه: (إلا أن الله أعانني عليه فأسلم)، وفي وراية مسلم: (فلا يأمر إلا بخير)، ثم قال صاحب المنار رضي الله عنه: المحقق عندنا أن ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين وخيرهم الأنبياء والمرسلون، وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى من أن الشيطان لم يمسهما وحديث إسلام شيطان النبي صلى الله عليه وسلم وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه فهو من الأخبار الظنية لأنه من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب والإيمان بالغيب من قسم العقائد وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى: "وإن الظن لا يغني من الحق شيئا"؛ كنا غير مكلفين أن نؤمن بمضمون هذه الأحاديث في عقائدنا، وقال بعضهم: يؤخذ فيها بأحاديث الآحاد لمن صحت عنده، ومذهب السلف في هذه الأحاديث تفويض العلم بكيفيتها إلى الله تعالى، ومع أن مذهب السلف أحب إليَّ إلا أن مدافعة أعداء الإسلام تقتضي مزيدا من التحري واليقظة، ولست أحب أن أفتح أبواب الشعوذة والسحر والدجل باسم أن الشيطان احتل بدن إنسان..، وما يرويه صاحب (آكام المرجان في أحكام الجان) أكثره خرافات وخيالات؛ وإن ذكره ابن حنبل وابن تيمية وغيرهما..، وفي هذا السياق كشف القرآن الكريم عن أن الجن لا يعلمون الغيب، وأن هوايتهم في إغواء أبناء آدم لا تتعدى المكر السيئ واستدراج المغفلين، ولذلك قال في وصف العصاة.. (وما كان له عليهم من سلطان)..، تدبر هذه الجملة.. لتعلم حدود مقدرته على الإيذاء..، (أما السؤال) هل الجراثيم الخفية من عالم الجن؟؛ لا يستبعد صاحب المنار هذا مستشهدا بالحديث في سبب الطاعون، وقد يكون رأيه صحيحا، وقد يكون الجن.. أصحاب بصر بعالم الجراثيم وأصحاب قدرة في إصابة البشر بهذه الجراثيم وما تحمل من علل، ولعل مطالبة المؤمنين بالتعوذ من الجن في أوقات وأماكن معينة ما يشهد لذلك..، ولا أحب أن أمضي في طريق غامضة المعالم، ولا أن أشغل المسلمين بأمور (هامشية) وبيضتهم مستباحة وحدودهم مجتاحة..، ولا يجوز أن ننسى قول الله تعالى لكل مسلم: (ولا تقف ما ليس لك به علم)..، إن المسلم الحق يخاصم الأوهام ويصادق اليقين.. المرض الحقيقي عند قوم يتهمونك بأنك تنكر الجن وعالم الغيب لأنك ترفض أوهامهم" (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث للشيخ محمد الغزالي (ج1/ص77).
رابعاً: التمثيل مُحتمل والدلالة تعتمد على السياق:
يحذر المحققون مشددين من منزلق حمل المعاني خارج إطار المقام والملابسات والعرف الدلالي في زمانها، وقد نبه الإمام الشاطبي أبو محمد القاسم بن فهيرة (المتوفى عام 672هـ) رحمه الله في كتابه "الموافقات" إلى ضرورة حمل الدلالة في الكتاب العزيز والأخبار المروية على معهود العرب زمن التنزيل وحذر من التكلف بإقحام غير المعهود في زمنهم، و(الطاعون) في زمننا مرض وبائي محدد الأعراض معلوم السبب ولكن لا يفوت افتقار دلالة الكلمة في عصر تدوين الروايات لمثل هذا التحديد لتعني نفس دلالة كلمة (وباء) وقد يجد من الشواهد ما يؤيده حتى في لغة غير العرب، فكلمة الطاعون بالإنجليزية Plague بالإضافة للتحديد الطبي المعاصر تعني آفة ومرض وداء وسقم وكارثة ووباء وبلاء (Babylon Dictionary) والمعاجم العربية تورد بالمثل نفس التعميم, "قال الخليل: (الوباء الطاعون وقيل هو كل مرض يعم)" (أرشيف ملتقى أهل الحديث - (ج1/ص12835). وفي معجم العين: "الوباء.. الطاعون وهو أيضا كل مرض عام" (كتاب العين - (ج 8/ص 418). ومثله في لسان العرب (لسان العرب - (ج1/ص189). والقاموس المحيط (القاموس المحيط - (ج1/ص25). وبالمثل أُطلق لفظ (جن) و(شيطان) على ذوات حسية تشبيها كأن تطلق على خفي مجهول أو كل ما يلفت عن العبادة، ولذا نالت جملة ذوات صفة شيطان خاصة الكلب الأسود بلونه البهيم اللافت عن العبادة، قال ابن كثير (رحمهم الله تعالى جميعا): "قال سيبويه: العرب تقول تشيطن فلان إذا فَعَل فِعْل الشيطان.. ولهذا يسمون كل ما تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ" [الأنعام:112]. وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن"، فقلت أَوَ للإنس شياطين؟ قال نعم، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا قال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود)، فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر، فقال: (الكلب الأسود شيطان)، وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب برْذونًا (جواد أعجمي) فجعل يتبخْتر به.. (يصيبه بالخُيلاء) فنزل عنه، وقال: (ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي)، إسناده صحيح" (تفسير ابن كثير تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة 774 هـ - (ج1/ص115).
وفي الأثر: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا"؛ تُحتمل دلالة لفظ الطاعون على عموم الأوبئة بقرينة (لم تكن مضت في أسلافهم)، ويؤيده التعبير عن الأوبئة المماثلة له بعاقبتها في الأثر: "ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت"، و"ليس غريبا أن تظهر أمراض حديثة.. لم تكن معروفة سلفا نتيجة لانتشار هذه الممارسات غير الشرعية، ولقد كان ظهور مرض الإيدز AIDS الجديد الغامض بمثابة مثال صادق لما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إن الفاحشة.. أصبحت تمارس علنا.. (و) هناك نوع من التشابه بين الطاعون ومرض فقدان المناعة المكتسب من حيث الانتشار الوبائي وارتفاع نسبة الوفيات في كليهما.. فليس بغريب أن يطلق على هذا النوع من المرض اسم طاعون الشواذ جنسيا Gays plague بين عامة الناس في الولايات المتحدة الأمريكية..، (و) مما يؤكد ما ورد في هذا الحديث الشريف أن انتشار الفاحشة قد يكون من أهم العوامل المسببة لانتشار الأمراض الفتاكة والتي قد تؤدي إلى الموت.. بالإضافة إلى هذا المرض الغامض فالأمراض الجنسية الأخرى مثل الزهري وسرطان الرحم والهيربس التناسلي والتهاب الكبد الفيروسي تكون مصحوبة دائما بمضاعفات خطيرة قد تؤدي في النهاية إلى الموت" (دراسة منشورة للدكتور عبد الوهاب نور ولي والدكتور عبد الرحمن العوضي بعنوان (فقدان المناعة المكتسب دور الشرعية الإسلامية في الوقاية). وفي الأثر أيضا عن الطاعون: "إذا سمعتُم به بأرض فلا تَقدَموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه"؛ قال الأستاذ عبد الحميد محمود طهماز في كتابه (الأربعون العلمية): و"هذا الحديث الشريف هو أساس الحَجر الصحي الذي لم يُعرف إلا في القرن العشرين، فإذا وقع وباء مُعدٍ في بلدٍ ما يُضرب عليه حجر صحي فلا يدخل إليه أحد خوفاً من أن يرمي بنفسه إلى التهلكة فيصاب بالوباء ولا يسمح لأحد من داخله بالخروج خوفاً من أن يكون مصاباً بالمرض ولا يزال في دور الحضانة فينقل الوباء إلى خارج البلد ويعم انتشاره.. وبهذا يتبين أن أحاديث المصطفى صلى الله عليه و سلم تحمل في طياتها إعجازاً علمياً لم يكشف اللثام عنه إلا في القرن العشرين بعد أن تطورت علوم البشر عن أسباب المرض و جهاز المناعة" (الأربعون العلمية للأستاذ عبد الحميد محمود طهماز.) وكما ترى يمكن التعبير بلفظ "الطاعون" ويراد به التمثيل ومثله لفظ "الجن" أو "الشيطان"، وفي قوله تعالى: "وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ" [ص:41]؛ نسبة الفعل إلى الشيطان تأدبًا من نوح مع ربه في مقام دعاء لا شكاية؛ وإلا كيف نُسب إلى الضر بدلا عن الشيطان في قوله تعالى: "وَأَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الضّرّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ" [الأنبياء:83]. وهكذا كما يُطلق لفظ الطاعون ليعنى الوباء قد يُطلق بالمثل لفظ الجن أو الشيطان على ذوات حسية مشاهدة ويُراد به معنىً جامع من باب التشبيه تمثيلا بمعلوم فيحتمل الخبر إذن النبوءة بنشر أوبئة أسبابها مجهرية تماثل الجن في الخفاء كسلاح معركة.
خامساً: هل يجوز تأويل المتشابه بوجه تقبله العربية ردًّا للشبهات:
الأصل عند المحققين هو حمل الدلالة على ظاهر التعبير إلا بقرينة صارفة إلى التأويل بوجه يناسب المقام في العربية، والرواية صحيحة السند عند علماء الحديث وإن لم يوردها البخاري ولا مسلم، قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني المتوفى عام 1420هـ (رحمهم الله تعالى جميعا): "عن أبي موسى مرفوعا: (فناء أمتي بالطعن والطاعون)، فقيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: (وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة)، رواه أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني (وهو) صحيح، أخرجه أحمد (4/417) وكذا الطيالسي (534) من طريق شعبة عن زياد بن علاقة قال: حدثني رجل من قومي، قال شعبة: قد كنت أحفظ اسمه..، ثم أخرجه أحمد (4/395) من طريق سفيان عن زياد بن علاقة.. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير الرجل الذي لم يسم.., والحديث قال الهيثمي (2/312): رواه أحمد بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح ورواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الثلاث، ثم أخرجه أحمد (4/417) من طريق أبي بكر النهشلي..، قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وأسامة بن شريك الثعلبي صحابي وزياد بن علاقة من بني ثعلبة أيضا فأسامة هذا هو الذي كان شعبة حفظ اسمه ثم نسيه..، وأبو بكر النهشلي ثقة من رجال مسلم..، وله طريق أخرى عن أبي مرسى.. أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال: (وخز من أعدائكم من الجن وهي شهادة المسلم)، أخرجه أحمد (4/413) والحاكم (1/50) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قالا..، ثم وجدت للحديث شاهدًا آخر من رواية أبي بردة.. أخرجه الحاكم (2/93) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، (و) حديث عائشة.. رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني؛ صحيح، أخرجه أحمد (6/133 و145و255) والطبراني في الأوسط (1/70/2).. قال: حدثتنا معاذة بنت عبد الله العدوية قالت: دخلت على عائشة فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون"، قلت: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: فذكره (غدة كغدة البعير المقيم به كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف)، قلت: وهذا إسناد صحيح رواته كلهم ثقات" (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (ج /ص70). وقال الهيثمي: عن أبي بردة بن قيس.. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل فناء أمتي قتلاً في سبيلك بالطعن والطاعون" رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد ثقات" (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (ج2/ص368).* بترقيم المكتبة الشاملة). وطلب الفناء يُحتمل حمله على الشهادة بقرينة العبارة (قتلا في سبيلك) ويُرجِّح الدعاء أن المقام دعوة إلى الجهاد وإخبار عن صراع يَستخدم فيه الأعداء أسلحة غير معهودة، والتمثيل بالجن في خفائه مُحتمل، ومن باب التشبيه يُدخل الطعن كل سلاح قاذف للطلقات وفي المقابل يُدخل الطاعون كل سلاح بغير طلقات، واحتمال حمل الدلالة على التشبيه يرجحه الواقع باستخدام أسلحة إبادة جماعية اليوم كالأسلحة البيولوجية والذرية، ولن يلومك البلاغيون إذن إن رَجَّحت وجهًا يُعلن عن كائنات كالجن في خفائها تسبب أوبئة كالطاعون قبل استخدام لفنهوك المجهر عام 1676 لمعاينة عالم الخفاء وقبل اكتشاف ييرسين عصية الطاعون عام 1894، وإن صَحَّ هذا التأويل يَطِيش السهم ويُرفع الإشكال بإمكان التعبير باللازم والتغليب والتوسع لُغويا في الدلالة والتمثيل البياني تشبيهًا بالأصل في مسمى اللفظ، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ