إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الاستواء على العرش
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 11 محرم 1429 الموافق 20 يناير 2008
السؤال

معروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تناول مسألة استواء الرحمن على العرش دون الوصف أو التشبيه، وكنت جالساً مع مجموعة ممن يكفِّرون ابن تيمية فقال لي أحدهم إن ابن تيمية قد وصف الاستواء على العرش كجلوسه على المنبر، ونزول الله إلى السماء الدنيا كنزوله عن درجات المنبر. أفيدوني جزاكم الله كل الخير.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فنعم مسألة الاستواء للباري عز وجل على العرش قد ذكرها الله تعالى في كتابه في سبع آيات من القرآن الكريم. ومسألة النزول قد تواتر الخبر الصحيح بها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وورد الحديث عن (32) صحابياً، وهذا ما لم يرد في أي مسألة من المسائل المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تلقاها العلماء بالإيمان والتسليم مع نفي التكييف والتعطيل من الصحابة ثم التابعين ثم أتباعهم ثم الأئمة الأربعة ثم من تبعهم إلى يومنا هذا. وكلام الأمام مالك رحمه الله تعالى في المسألة مشهود وهو كالقاعدة لأهل السنة في الصفات لما قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وممن سار على منهج السلف الصالح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فذكر هاتين المسألتين في أغلب كتبه ويؤكد في كل عبارة: (إثبات بلا تكييف، وتنزيه بلا تعطيل).
ولكن بعض المناوئين له من المعطلة نسبوا إليه القول بالتجسيم، وهذا كما هو صريح كلامه المطبوع بين أيدينا في نفي التجسيم والتمثيل لله تعالى، إلا أنهم قالوا إن إثبات الصفات يقتضي التجسيم. فأدعو أن هذا لازم قوله وليس بلازم. وإذا كان لازم لإثبات الصفة فيكون لازماً للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وأتباعهم. ولهذا تجرأ وادعى إمام المعطلة في زمانه ثمامة بن الأشرس فقال: ثلاثة من الأنبياء مشبهة، موسى حينما قال: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء.. وعيسى حين قال: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك..) ومحمد صلى الله عليه وسلم حين قال: ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر.
وممن صرح بهذه الفرية ونسبها إلى شيخ الإسلام (وهي التشبيه) ما ذكره ابن بطوطة في رحلته المشهورة، حيث قال: "حضرته –يعني ابن تيمية- يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إن الله ينزل كنزولي هذا.. ونزل درجة من درج المنبر)،ا.هـ. (ينظر الرحلة ص113) وتنسب هذه المقولة أيضاً إلى أبي علي عمر بن أحمد الكسوني. ولكن يدل على بطلان هذه الفرية. أن هذه المؤلفات لشيخ الإسلام التي بلغت المئات لم يرد فيها شيء من هذا، بل كل ما فيها يناقض هذه الفرية ويدل على بطلانها.
ثم مما يدل على بطلانها تاريخياً أن ابن بطوطة ذكر هذه الحكاية في رحلته وكانت سنة 726هـ. ومن الثابت أن ابن تيمية في هذا التاريخ كان في السجن. أما السكوني فقال الراجح في وفاته أنه توفي سنة (717هـ) كما حققه د. سعد غراب في رسالته للدكتوراه.
وقد دلل على بطلان هذه الفرية المحقق الدكتور علي المنتصر الكتاني -من المغرب العربي- في الحاشية على رحلة ابن بطوطة (1/110). وكذلك الأستاذ محمد بهجت البيطار في كتابه: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية (ص46-53).
وابن تيمية ليس هو أول من افتري عليه، وحمِّل من شنيع القول ما لم يتصف به. ولن يكون الآخر. وعند الله تجتمع الخصوم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ