إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان عمل الجوارح
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاثنين 12 محرم 1429 الموافق 21 يناير 2008
السؤال

هناك دكتور في بلدي يشرح العقيدة، ويقول إن الإيمان قول وعمل، ويقول إن أعمال الجوارح شرط كمال في الإيمان، ويقول إن من ترك أعمال الجوارح طوال حياته حتى مات أي تارك المباني الأربعة، وتارك كل عمل الجوارح، لا يصلي ولا يصوم ولا يحج ولا يزكي، ولا يفعل أي عمل البتة أنه عنده أصل الإيمان، وهو اعتقاد القلب، وقول اللسان، وأنه سوف يخرج من النار بناءً على حديث (لم يعمل خيراً قط)، فهل هذا الكلام صحيح؟ دلوني على الحقيقة لأني في حيرة من أمري.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فقول الدكتور: "الإيمان قول وعمل" هذا حق، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة كالإمام الشافعي والإمام أحمد والإمام البخاري وابن عبد البر وغيرهم.
أما قوله (بأن الأعمال شرط كمال في الإيمان) فهذا قول المرجئة الذين ذمهم السلف الصالح رحمهم الله. وهو مناقض لقوله "الإيمان قول وعمل" فالعمل شطر من الإيمان أي جزء منه وليس شرطاً له لا شرط كمال كما قالت المرجئة، ولا شرط صحة كما قالت المعتزلة وسائر الوعيدية. بل هو شطر من الإيمان أي جزء منه.
ومعروف الفرق بين الشرط والشطر. فالشرط خارج عن الماهية كالطهارة شرط للصلاة وليست منها. أما الشطر فهو الجزء كقولنا قراءة الفاتحة شطر من الصلاة. وبهذا جاء النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "الطهور شطر الإيمان". والطهور عمل فلم يقل شرط الإيمان إنما قال: شطر الإيمان.
أما استدلاله بحديث الجهنيين الذين يخرجون من النار بالشفاعة وفي بعض ألفاظه (لم يعملوا خيراً قط) فهذه اللفظة لم ترد إلا في رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد عند مسلم. أما بقية روايات الحديث في البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة وأنس وجابر وحذيفة فليس فيها هذه اللفظة، ولذلك عدّها بعض أهل العلم بأنها "شاذة" وهي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه. ولا شك أن عطاء بن يزيد وسعيد بن المسيب الراوين عن أبي سعيد هذا الحديث، ولم يذكر هذه اللفظة أوثق من عطاء بن يسار.
وعلى التسليم بصحتها –وهو قول أكثر أهل العلم- إلا أنه لا يمكن أن يستدل بنص واحد ويترك الاستدلال بعشرات النصوص، بل بمئات النصوص في القرآن والسنة الصحيحة المتواترة التي تأمر بالعمل وتجعل من الأعمال ركناً من أركان الإيمان لا يتم إلا به ولذلك أجمع عليه أهل السنة والجماعة. لا شك أنه لا يقول بمثل هذا إلا جاهل أو في قلبه زيغ متبع لهواه لا يتبع لنصوص الكتاب والسنة. قال الله تعالى: "فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [آل عمران:7].
وهذه اللفظة (لم يعملوا خيراً قط) حملها الإمام ابن خزيمة وكثير من أهل العلم على أنها: "من الجنس التي تقوله العرب. ينفي الاسم عن الشيء لتقصه عن الكمال والتمام. فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل؛ لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه وأمر به". كتاب التوحيد (2/732).
بل إن في الحديث المتفق عليه في آخر الناس خروجاً من النار وهم الذين خرجوا بالرحمة لا بالشفاعة. ما يدل على أنهم من أهل الصلاة التي هي أجل الأعمال الظاهرة وذلك أنهم يعرفون بمواضع السجود: فإن الله حرم على النار أن تأكلها" قال في الحديث: فيعرفونهم في النار بأثر السجود" فدل على أنهم كانوا يضلون.
وما ذكره ابن خزيمة وغيره هو الذي يقول به المرجئة وأهل السنة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن..." وقوله صلى الله عليه وسلم: "أرجع فصل فإنك لم تصل". وشواهد ذلك في نصوص الكتاب والسنة ولسان العرب كثيرة جداً.
وممن الممتنع –كما يقول ابن تيمية-: أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلوات والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم يوماً من رمضان، ولا يؤدي زكاة الله، ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة. لا مع إيمان صحيح" (شرح حديث جبريل ص557).
والقائلون بأن جنس العمل ليس ضرورياً لتحقيق الإيمان يقولون إن الإيمان شرط لصحة العلم ولذلك ألزمهم أهل السنة بعدم الفرق بين ما نفوه وما أثبتوه، قال الإمام أبي ثور رحمه الله: أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر الله به ولا أقرّب أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا نعم قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر مؤمناً إذا عمل ولم يقر، لا فرق بين ذلك" ا.هـ.
وعلى كل هذا فهذا القول مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأئمة والفطرة والعقول. والله الهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ