إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل رجم عثمان من وضعت لستة أشهر
المجيب
د. يوسف بن أحمد القاسم
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
التاريخ الاحد 16 ذو القعدة 1423 الموافق 19 يناير 2003
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وجدت في تفسير ابن كثير، والطبري، ومصنف عبد الرزاق، والموطأ قصة رجم عثمان ابن عفان –رضي الله عنه- لامرأة ولدت بعد ستة أشهر من زواجها، فرماها زوجها بالزنى، ثم تبينت براءتها، فما صحة هذه القصة؟

الجواب

الحمد لله وحده، وبعد:
فهذه القصة بهذا السياق لم تثبت بطريق صحيح في الكتب المذكورة، ولا في غيرها، وبيان ذلك كالآتي:
(1) ففي تفسير ابن كثير (6/281) ساقها الحافظ من رواية ابن أبي حاتم -بنحو المعنى الذي ذكره السائل- من طريق محمد بن إسحاق بن يسار، وهو مدلس كما في التقريب (صـ546، برقم 5725) ولم يصرح بالتحديث، فيكون السند منقطعاً.
(2) وفي تفسير الطبري (25/102) رواها الإمام الطبري بإسناد ظاهره الصحة، وكذا نقله من طريقه الحافظ ابن كثير من موضع آخر من تفسيره (6/241) إلا أنه لم يرد في هذا الأثر تنفيذ حد الرجم، وهو محل الإشكال لدى السائل –كما يظهر- وعليه فلا يستدل به على هذه القصة المذكورة أعلاه.
(3) وفي مصنف عبد الرزاق (7/349-352 برقم 13443-13449) جاءت الآثار على نحوين:
الأول: أن المرأة قد درئ عنها الحد بفتوى علي –رضي الله عنه- لعمر بن الخطاب –رضي الله عنه- كما في المصنف (7/350-352 برقم 13444-134485) وبفتوى ابن عباس –رضي الله عنهما- لعثمان –رضي الله عنه- كما في المصنف (7/351 برقم 13447) وستأتي الإشارة إليهما.
الثاني: إيراد الأثر بدون إثبات إيقاع الحد كما في المصنف (7/349-351-352 برقم 13443-13446-13449) وعليه فتحمل هذه الآثار المجملة على تلك الآثار المبين فيها درء الحد، مع ما في بعض تلك الآثار التي أوردها المصنف عبد الرزاق من ضعف.
(4) وفي الموطأ مع شرح الزرقاني (4/179) رواها الإمام مالك بلاغاً عن عثمان –رضي الله عنه-، وهذه الرواية بلا إسناد، فلا تصح، وفي آخر هذا الأثر المذكور في الموطأ "فبعث عثمان بن عفان في أثرها، فوجدها قد رجمت" وعليه فتكون هذه الزيادة ضعيفة.
وقد روى ابن عبد البر في الاستذكار (24/73-74) هذا الأثر موصولاً، ولكن بدون هذه الزيادة، ثم رواها بإسناد آخر عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه- قال:"رفعت إلى عثمان –رضي الله عنه- امرأة ولدت لستة أشهر، فقال: إنها رُفعت إلي امرأة لا أراها إلا جاءت بشر، ولدت لستة أشهر، فقال له ابن عباس –رضي الله عنهما-: إذا أتمت الرضاع كان الحمل ستة أشهر، قال: وتلا ابن عباس "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً" فإذا أتمت الرضاع كان الحمل ستة أشهر" ثم قال ابن عبد البر:" وهذا الإسناد لا مدفع فيه من رواية أهل المدينة"أ.هـ. وهذا الأثر كما ترى بغير تلك الزيادة.
وبناء على ما تقدم فيكون أصل الرواية صحيحاً من دون الزيادة المذكورة وهي (وقوع الحد على تلك المرأة) ويشهد لهذا سوى ما تقدم ما يلي:
أولاً: أن القصة جاءت بدون إيقاع الحد من طريق آخر صحيح، من رواية ابن وهب، كما قاله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (3/219).
ثانياً: أنه جاء في أثر ضعيف ما يدل على أن عثمان –رضي الله عنه- درأ عنها الحد، كما في الرواية التي أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (7/351 برقم 13447) عن أبي الضحى عن قائد لابن عباس –رضي الله عنهما- قال:"كنت معه فأتي عثمان بامرأة وضعت لستة أشهر، فأمر برجمها فقال له ابن عباس –رضي الله عنهما-: إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، قال الله عز وجل:"وحمله وفصاله ثلاثون شهراً" والحمل ستة أشهر، والرضاع سنتان، قال: فدرأ عنها الحد".
قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستذكار (24/74):"يختلف أهل المدينة في رواية هذه القصة: فمنهم من يرويها لعثمان مع علي... –رضي الله عنهما-
ومنهم من يرويها عن عثمان عن ابن عباس –رضي الله عنهم-.
وأما أهل البصرة فيرونها لعمر بن الخطاب مع علي بن أبي طالب –رضي الله عنهما-..." ثم روى هذا الأثر في الاستذكار (24/74) وفي آخره:"فخلى عمر سبيلها". وهذه الرواية في مصنف عبد الرزاق (7/350 برقم 13444).
ثالثاً: أن الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدون قد تواتر في سيرهم ما يدل على تورعهم فيما هو أقل من هذا بكثير، فكيف تظن بهم المسارعة إلى إقامة حد لم تثبت بينته؟ هذا مما لا يمكن، وقد جاءت الآثار بما ينفي هذا الأمر، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ