إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مياه الأمطار في القرآن
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاربعاء 16 ذو الحجة 1428 الموافق 26 ديسمبر 2007
السؤال

عندنا في بلدنا تنزل الأمطار تقريبا كل يوم. فمن أين يأخذ السحاب هذا المطر؟ وهل هو مأخوذ من الأرض؟ أجيبونا مأجورين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
إجابةً على السؤال حول أصل مياه الأمطار والسحاب أقول مستعينا بالعلي القدير سائله تعالى التوفيق والسداد:
أجمل القرآن الكريم قصة الخلق بنفس الترتيب كما ترويه حقائق العلوم، وجاء وصف تكون الماء أحد الفصول خلال مراحل مقدرة الترتيب، قال تعالى: "وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا" [النازعات:30-32] وفي المقابل نزل الحديد عند التكوين نحو اللب في قوله تعالى: "وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ" [الحديد:25]، والمحصلة العلمية بالفعل كما يرويها الجيولوجيان فرانك بريس frank Press وريموند سييفر Raymond Siever في هي خروج المواد الأخف باتجاه السطح، ونزول المواد الأثقل نحو الباطن؛ خاصةً الحديد ليكون معظم اللب (Earth ص13).


وقوله تعالى "أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا" تعبير بما آل إليه حال الأرض، ويعني أن كل ما يُنسب إليها اليوم من نباتات المراعي التي تتغذى عليها المواشي، وكل ما يُنسب إليها من ماء بكل أشكاله قد خرج أساسًا منها عند بدء تشكلها، والمعلوم حاليا بالفعل أن الكوكب كان ملتهبا قبل أن تكون سطحه، وأن بخار الماء الخارج مع الانبعاثات البركانية النشطة كان عالقًا بالجو الأولي ولم يتمكن من النزول حتى تبرد السطح، فاستمر هطول الأمطار حقبًا حتى تكونت كافة أشكال المياه، ومَهَّدَ الماء لنشأة النبات الذي أطلق الأوكسجين بالجو، وقلل من ثاني أكسيد الكربون، فمكن لنشأة الحيوان والإنسان من بعد، وتُلاحظ في التعبير ترتيبا لمراحل تكون الحياة ابتداءً من الماء تتلوه نباتات المراعي الخضراء كنموذج لكافة أشكال النبات.


قال ابن عاشور (رحمهم الله تعالى جميعا): "المرعى.. مصدر.. أطلق على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق أي أخرج منها ما يُرعى، والرعي حقيقته تناول الماشية الكلأ.. فالاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب؛ لأن ذكر المرعى يدل على لطف الله بالعجماوات، فيعرف منه أن اللطف بالإنسان أحرى.. والقرينة على الاكتفاء قوله تعالى بعده: (متاعا لكم ولأنعامكم)" (التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ (ج 1/ص4717). وقال سيد قطب: "وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته (المرتفعة ابتداءً) إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة، والله تعالى أخرج من الأرض ماءها، (يعني) سواء ما يتفجر من الينابيع أو ما ينزل من السماء فهو أصلاً من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر، وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه (بقية) الأحياء" (في ظلال القرآن لسيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ (ج 7/ص446).
وإذا تقرر بالنص الصريح أن أصل ماء الأرض قد خرج أساسًا منها فلا يرد إشكالا على بيان نزول الماء (من السماء) في جملة آيات لأنه يتعلق بوصف مرحلة تالية في تاريخ الأرض تتفق تماما مع المعرفة الحديثة بأن الماء الذي خرج منها لم يتمكن من النزول مطرًا حتى هبطت درجة حرارة السطح وتميزت معالمه؛ خاصةً أن التعبير بلفظ (السماء) عن الجو يستقيم في القرآن الكريم وفق القرائن, وفي قوله تعالى: "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ" [البقرة:22]؛ قال ابن عاشور: "(والسماء بناء) بكون تلك الكرة الهوائية واقية للناس من إضرار طبقات فوقها.. فالكرة الهوائية جُعلت فوق هذا العالم فهي كالبناء له.. فشبهت به.. والمراد بالسماء هنا إطلاقها العرفي عند العرب، وهو ما يبدو للناظر كالقبة الزرقاء وهو كرة الهواء المحيط بالأرض كما هو المراد في قوله تعالى "أو كصيب من السماء" وهذا هو المراد الغالب.
وأما وجه شبه السماء بالبناء فهو أن الكرة الهوائية جعلها الله حاجزة.. فهي كالبناء فيما يراد له البناء وهو الوقاية من الأضرار النازلة.. وهذا كقوله تعالى..: "وجعلنا السماء سقفا محفوظا" (التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ (ج1/ص193). وفي قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ" [الأنعام:99]؛ قال رحمه الله تعالى: "(من) في قوله تعالى (من السماء) ابتدائية؛ لأن ماء المطر يتكون في طبقات الجو.. عند تصاعد البخار الأرضي إليها فيصير البخار كثيفًا وهو السحاب ثم يستحيل ماء, فالسماء (هنا).. الجو حيث تتكون الأمطار" (التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ (ج1/ص1372). وهكذا يعبر القرآن الكريم عن الحقائق الخفية زمن التنزيل بعبارة لا تلفت عن غرض ولا يفوت مضمونها عند اكتشاف الحقائق. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ