إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الأرض بين التعبير القرآني والمدلول العلمي
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاحد 15 ذو القعدة 1428 الموافق 25 نوفمبر 2007
السؤال

يقول الله تعالى: "اللّهُ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً" [غافر:64]. ما معنى الآية الكريمة في ضوء العلوم التجريبية؟ وهل تلك العلوم توافق الآية الكريمة، أم أنها تخالفها فلا نأخذ بتلك العلوم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
حول السؤال عن مدلول لفظ الأرض الموصوف بالاستقرار بعد أن كان يميد في قوله تعالى: "اللّهُ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً"؛ أُجيب مستعينَا بالعلي القدير سائله تعالى التوفيق والسداد:
1- الوحدة الموضوعية دليل على وحدة المصدر والتوافق مع حقائق العلم دليل على الوحي:
في قوله تعالى: "وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ" [النحل:15]؛ لفظ (ألقى) وارد بصيغة الماضي ويعني طرح مادة كونت كتلا جبلية طافية امتدت عميقا ومع تزايدها ثبتت واستقرت كما ترسو السفن على سطح محيط مضطرب، والتعبير (أَن تَمِيدَ بِكُمْ) أي لئلا تميد؛ ويعني أن الكتل السطحية المثبتة بالجبال حاليا كانت تميد وتضطرب في بداية تشكلها، ولك أن تستنبط من التشبيه الضمني للجبال بالسفن في الطفو أن الباطن أقل صلادة وأكبر كثافة وأنه تيارات تمور في حالة حارة تسمح له بالحركة وطرح مادة نحو السطح قابلة للتشكل كما يُشكل الحداد المعدن المُلَيَّن على الكير، وفي هذه الصورة التعبيرية إذن تُعاين موجز تاريخ تكون ألواح القشرة الأرضية كما تصفه حديثًا علوم الأرض Geology؛ خاصة مع استحضار لقطات تُضيف مع التأمل مزيدًا من التفصيل لتلك الصورة وتحدد لك إطارًا واحدًا يجمع كل التفاصيل، وفي هذا الإطار قوله تعالى: "أَأَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ" [الملك:16]؛ لن يشق حمله على وصف تيارات تمور في الباطن تحت السطح الصلد للأرض مثل تيارات المحيط تماما في كونها في حالة دوران مستمر، ومثله قوله تعالى: "وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا" [الزلزلة:2]؛ لا يحتاج كثير جهد في إرجاع ضمير لفظ (أثقالها) إلى الأرض ذاتها لأنها المذكور الوحيد وإن كان خروج مادة الباطن مستقبلا، وهو يدل بالنص الصريح على أن الباطن أكبر كثافة من السطح الصخري الطافي مما يتفق مع المعلوم حاليا وإن فُسِّرت أثقال الأرض بالثقلين وحُملت على رُفات الإنس والجن وهي بالية، وفي قوله تعالى: "وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ" [الطارق:12]؛ لن يأبى التركيب حمله على الصدوع العميقة بين الألواح القارية لتشكل القشرة الأرضية إلى قطع متجاورات مما يستدعي للذهن قوله تعالى: "وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ" [الرعد:4]، وهكذا يجمع التعبير التصويري في القرآن الكريم بين البساطة بحيث يفهم البدوي المضمون جملةً ولا يستعجم عامة المخاطبين الغرض، وبين العمق بحيث لا تفوت الخبير مستقبلا أدق التفاصيل، والميزة إذن قابلية مطابقة النبأ مع الواقع عند تحققه في الواقع في نظرة شمولية للعالم أوسع بكثير مما يرد على خاطر أكبر فيلسوف زمن الوحي في قريش أو سواها لو صح شهرتهم بغير الشعر وفن البيان حتى أسرهم عجيب نظم القرآن وبديع بيانه، وهذا الضرب من دراسة النص ضمن كافة أترابه من النصوص المتعلقة بنفس الموضوع يُسمى بالتفسير الموضوعي، وهو دليل قاطع على وحدة المصدر بتفرد القرآن الكريم على كل ما يُنسب للوحي سواه بميزة الوحدة الموضوعية بلا اختلاف أو تناقض لتعدد المصادر، ولا يرد القول بأن التأويل العلمي لم يقل به السلف، وقد اجتهد كل منهم حسب معارف عصره وما قال منهم أحد أن باب التفسير قد انغلق؛ وإلا ما عاد معنىً للوعد بتحقق كل نبأ في حينه، والنبأ قد يكون معلومًا لفظًا ولكن ربما استشكل تفسيره لغياب الكيفية حتى يتحقق في الواقع فيتجلى للعيان ويستقر، قال تعالى: "لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" [الأنعام:67]، ولم يقل أحد إن تأويل القرآن مقصور على قريش دون العالمين، وإلا ما عاد لمفسر من السلف بعد زمن الوحي من مُستند؛ خاصة مع إمكان اتساع دلالة اللفظ ليطابق الكشوف العلمية, قال تعالى: "إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ" [ص:87-88].
2- دلالة اللفظ تحددها قرائن السياق:
توجد في اللغة ألفاظ تحتمل جُملة دلالات يُصطلح عليها باسم الوجوه والنظائر، وتنصرف الألفاظ متعددة الأوجه تلك إلى دلالة بعينها في التعبير وفقا لقرائن السياق، فقد تنصرف كلمة (الأرض) إلى معانٍ منها الكوكب ومنها القطر أو البلد، وقد تعني تربة حقل الزراعة بالنسبة لبقرة تثير الغبار خلال حرثه في قوله تعالى: "بَقَرَةٌ لاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ" [البقرة:71]، والناس لا يعيشون فوق باطن الأرض الملتهب، وإنما على سطحها الصخري الطافي ليحميهم من أخطار الباطن كمهاد الصبي يمتد تحته ليحميه، ولذا لفظ (الأرض) بالنسبة لهم قد يعني السطح الصخري المميز بالجبال في قوله تعالى: "أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً" [النبأ:6-7]، وفي تلك الصورة الدلالية الأوسع للعالم يماثل بالفعل السطح الصخري المعبر عنه بلفظ (الأرض) مهاد الصبي في الحماية مما دونه وتماثل الجبال الأوتاد في الامتداد عميقا والتثبيت؛ خاصة مع البيان أن (الأرض) بهذا المعنى لم تكن مستقرة حتى نشأت فيها الجبال المعبر عنها بلفظ (رواسي) تشبيهًا بالسفن في طفوها واستقرارها فوق مياه المحيط تحمي الركاب من الغرق في قوله تعالى: "وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ" [النحل:15] [ولقمان:10]، والموصوف بالاستقرار إذن بلفظ (الأرض) يُطابق السطح الصخري المسمى في علوم الأرض بالألواح القارية Plate Tectonic في قوله تعالى: "اللّهُ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً" [غافر:64]، وقوله تعالى: "أَمّن جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ" [النمل:61]، وأما حمل لفظ (الأرض) هنا على الكوكب خارج إطار السياق والوحدة الدلالية للآيات في نفس الموضوع فستأباه حتمًا علوم الأرض، وسيأبى علم الفلك بالمثل استنتاج سكون كوكبنا بإطلاق مخالفًا وحدة النظام في الكون بتحرك كل جرم في فلك مقدر الأجل، قال الشنقيطي (رحمه الله تعالى): "(إن) مِن أنواع البيان التي تضمنها (الكتاب العزيز) أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون فيها قرينة دالة على عدم صحّة ذلك القول" (أضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي المتوفى سنة 1393هـ (ج1/ص454). وبهذا يتبين اتفاق الكتاب العزيز تماما مع الواقع عند العلم بالحقائق واتضاح القرائن. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ