إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أشراط الساعة واستقراء الأحداث
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الجمعة 25 ذو الحجة 1428 الموافق 04 يناير 2008
السؤال

كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن أشراط الساعة، وأن الساعة قريبة جدا.. حتى إنني سمعت في إحدى القنوات الفضائية كلمة "هرمجدون " مرتين..وكنت قد قرأت كتاباً اسمه "عُمْر أمة الإسلام" وبصراحة فوجئت بوقوع إحدى تنبؤاته، وهي بداية الحرب العالمية الثالثة (أو إحدى جولاتها) في خريف عام 2001.. حيث كان التوقيت دقيقا.. لقد ذكر الكتاب ذلك، وقال حرفيا "خريف 2001" وقد وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي قلبت العالم، وصارت على أثرها حرب أفغانستان، وبعدها العراق..
وهذا الكتاب جاء بأخبار كثيرة جداً، وتنبأ بأحداث كثيرة، ورتب أشراط الساعة الكبرى، ثم إنه استشهد بالتوراة والإنجيل.. وجاء بأحاديث نبوية غريبة لا أعلم مدى صحتها تخبر عن الحروب العالمية الثلاث ومواعيدها. أرشدونا مأجورين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإجابة على السؤال حول كيفية تكييف ما لم تكشف تأويله الأيام بعد ليتحقق السبق في استقراء أحداث المستقبل التي لم تقع بعد؛ أقول مستعينا بعلام الغيوب سائله تعالى التوفيق والسداد:
أولاً: شيوع النبوءات في تاريخ الوحي:
يُعلن القرآن الكريم أن أهل الكتاب قد ورثوا أثرة من وحي تُخبرهم بنبي من غير اليهود يأتي بعد المسيح عليه السلام يُمنح كتابًا يُكْمِل الحق فتتحقق مملكة سماوية على الأرض لتشيع التوحيد وتقيم العدل ويكتمل بناء بيت النبوات، يقول العلي القدير: "وَلَمّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمّا جَآءَهُمْ مّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ" [البقرة:89]، ويؤكد الكتاب العزيز مُتحََدِّيًا معرفتهم بالنبي الخاتم كمعرفتهم بأبنائهم بالصفة وتاريخ الولادة والمكان، يقول العلي القدير: "الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة:146]، والعجيب أن هذا التحدي لم يرده بحجةٍ منذ زمن الوحي أحد إلا ما كان تأويلاً يتجاهل أحداث التاريخ غمطًا للحق، وهو شهادة توثيق بشيوع النبوءات في تاريخ الوحي ودعوى لتفتيش الأسفار قبل أن تُباح قراءتها للجمهور حديثا، وتجد بالفعل ما يؤكد صدق نبأ القرآن الكريم؛ ففي سفر يوحنا (16/12-15) يُصرح المسيح عليه السلام قائلا: "متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه.. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم"، فهل بعد بلوغ جميع الحق نبي آخر يُنتظر ليكمل الحق!، وفي سفر متى (21/42-44) يُعلن المسيح عليه السلام لليهود صراحةً قطع أصل شجرة النبوة فيهم وبعثة نبي في أمه غيرهم لا تُرَد حجج كتابها وتصنع منه أثماره فيكتمل البناء في قوله: "أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه".
ومن صفات النبي المُنتظر أنه أمي ولذا كان كتابه مُيَسَّرًا للحفظ والقراءة تسميعًا بالتلاوة Recitation فاختص باسم "القرآن"، يقول تعالى: "الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ" [الأعراف:157]، أليست تلك هي بالفعل صفته في سفر أشعياء (29/12) تصديقًا للقرآن الكريم: "ويُدفع الكتاب للأمي ويقال له: اقرأ..، فيقول: أنا أُمِّي"، ولا يكذب التاريخ في كشف مَنْ جاء بعد المسيح عليه السلام ومُنِحَ كتابًا باسم الله أول لفظ فيه: "اقرأ"؛ ويشهد التاريخ كيف بُورك في أمةٍ امتدت فروعها سريعًا لكل الأرض بكلمة التوحيد وفي كتابها أنها: "كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا" [إبراهيم:24-25]؛ أليس في هذا وحده دليلا على رعاية الله!، و"بكة" هي موضع "بيت الله" في قوله تعالى: "إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ" [آل عمران:96]، وفي عدول القرآن الكريم إلى الاسم القديم بكة Bacaبدلا عن مكة حيث قبلة الحجيج منذ القدم تعريضًا لما أخفوه أو حرفوه من صفات الأمة المباركة التي يرعاها الله ويباركها حيث عيون أو بئر في وادي جاف وجبل للعبادة في بعض الترجمات، وحيث يأوون لبيت الله ولا تنقطع عبادتهم ليل نهار لله وحده مستعينين به وطالبين العون منه تعالى وحده وتهوى أفئدتهم الحج Pilgrimage مُرورًا بوادي بكة Baca؛ تماما كما في الترجمة إلى العربية من الإنجليزية للنسخة العالمية الجديدة (84/4-6):،، مُبَارك هؤلاء الذين يأوون لبيتك، ولا تنقطع عبادتهم لك وحدك، مستعينين بك وحدك، تهوى أفئدتهم الحج مارين بوادي بكة،.
Blessed are those who dwell in Your House. They are ever praising you. Blessed are those whose strength is in you; who have set their hearts on Pilgrimage. As they pass through the Valley of Baca (NIV, Psalm 84:4-6).
وفي قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ" [الفيل:1-2]؛ لا يفوتك أن ما ادعاه جيش أهل الكتاب بقيادة أبرهة الحبشي من غزو مكة حيث يُبعث النبي المنتظر وفي نفس عام مولده (50 يوما قبل مولده) بأحدث سلاح لهدم بناء صغير يمكن إعادته أنه انتقام لتعدى وقع في ديارهم يصفه الكتاب العزيز بالمكيدة أي غطاء وذريعة والغرض مستور!، وتلك الواقعة تعني أن عناية الله لا تغيب وأن ما قَدَّرَهُ تعالى لا يدفعه كيد ولا يرده سلاح مهما بلغ من تدمير وإبادة جماعية وأن حجارة السماء تترصد بالجبابرة المتكبرين لتُعيد ما وقع، ولكن لماذا يُذَكِّر الكتاب العزيز خاتم النبيين بالواقعة؛ إنها دعوة إذن لتفتيش الأسفار عن موعد مولده عليه الصلاة والسلام وإن تلاعبت بها الأيادي، وبالفعل في نبوءة النبي دانيال (سفر دانيال 9/24) بموعد ختم النبوة والإتيان بالبر الأبدي أو الحق الأبدي وهدم المدينة المقدسة وانقطاع الوحي في بني إسرائيل الذين أنكروا المسيح عليه السلام والقضاء على المعصية والخطيئة فيهم بهلاك الشعب وتشريد البقية قال (في ترجمة الفانديك): "سبعون أسبوعا قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة"، وفي ترجمة الأخبار السارة (سبعون أسبوعا) تعني: "سبعين مرة سبع سنوات"، وعبارتها: "حدد الله سبعين مرة سبع سنوات على شعبك وعلى مدينتك المقدسة للقضاء على المعصية وإنهاء الخطيئة وتكفير الإثم وإحلال الحق الأبدي وتمام الرؤيا والنبوءة"، وفي التفسير التطبيقي للكتاب المقدس بعبارة أوضح: "490 سنة"، وخلاصة النبوءة إذن هي تدمير المدينة المقدسة؛ ثم مولد خاتم النبيين بعد 490 سنة من حدث مهم حددته النبوءة: "من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس"، ولن يخرج أمر تجديد أورشليم إلا بموت من سيدمرها، وقد دمرها الإمبراطور الروماني تيطُس Titus عام 70م تماما كما أخبر المسيح عليه السلام أيضًا (متى 24/1-2): "خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع: أما تنظرون جميع هذه؟ الحق أقول لكم إنه لا يترك هاهنا حجر على حجر لا يُنقض"، وأكد عليه السلام نبوءة دانيال النبي تلك وإن حاول الكتبة طمسها مشيرين لخاصتهم وحدهم بتمعن فهمها (متى 24/15-19): "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس -ليفهم القارئ- فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئا والذي في الحقل فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام"، وقد خلف تيطُس أبوه فِسْبَاسْيَان Vespasian وحكم مدة عامين ومات في 13 سبتمبر عام 81م، فيكون موعد ولادة خاتم النبيين (490+81): 571م، وهو بالفعل عام ولادته صلى الله عليه وسلم وعام واقعة الفيل التي سلمه الله تعالى منها.
أليست أمة التوحيد إذن كزرع مبارك نمى من بذرة صغيرة وسرعان ما أخرج شطأه أي أصول التفريخ والخلفة وهي البراعم Buds فأصبح شجرةً لا تبيدها ريح؛ ولو تضررت من حين لحين فإن عناية الله تعالى تحميها أن تبيدها مؤامرات!، يقول العلي القدير: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ" [الفتح:29]، وبالفعل ستجد في الأسفار ما يصدق نبأ شجرة التفريخ ذات الشطأ التي يرعاها الله؛ ومنها النبوءة في سفر حزقيال (17/24): "أنا الرب وضعت الشجرة الرفيعة ورفعت الشجرة الوضيعة ويبست الشجرة الخضراء وأفرخت الشجرة اليابسة أنا الرب تكلمت وفعلت"، وفي سفر أيوب (14/9): "للشجرة رجاء؛ إن قطعت تخلف أيضا ولا تعدم أغصانها ولو قدم في الأرض أصلها ومات في التراب جذعها فمن رائحة الماء تفرخ وتنبت فروعا كالغرس، وفي إنجيل متى (13/31-32) قال لهم المسيح: "يشبه ملكوت السماوات (الآتي بعده) حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها" وفي متى أيضا (3/7-11): قال لليهود: "يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة.. والآن قد وُضِعت الفأس على أصل الشجر فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلا أن أحمل حذاءه".

ثانيًا: نبوءات تحققت في الواقع تشهد بالوحي:
قال فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في بحث (أشراط الساعة): "إن ليوم القيامة أشراطا والله جل وعلا بين في كتابه بعض تلك الأشراط؛ يعني بعض علامات الساعة التي تؤذن بأن الساعة قريبة، وأن ميعادها قد قرُب وأن لقاء الله تعالى آتٍ..، لأن الله جل وعلا قال في كتابه "فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ" [محمد:18]، فقوله (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) يعني قد جاءت علاماتها..، ومن أشراط الساعة الصغرى ما أخبر به النبي صَلَّى الله عليه وسلم.. "أَنْ تَلِِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاَةََ الْعُرَاةَ رِعاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ"..، (و) من ذلك (قوله) عليه الصلاة والسلام.. "لن تقوم الساعة حتى تخرج نار في المدينة تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى"، وهي قرية بالقرب من دمشق.. فحصل ذلك في القرن السابع (عام 650هـ)..، فكان ذلك من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وكان من أشراط الساعة.. (أن تترك القلاص فلا يُسعى عليها)؛ يعني أن تترك (الفتية من) الجمال الرواحل التي اعتادها الناس فلا يسعون عليها ولا يتخذونها رواحل..، وقد رأينا في هذا الزمان صدق خبر الرسول صَلَّى الله عليه وسلم".
وفي وقت لم يكن يلوح في الأفق بصيص أمل يوحي بالفرج جاءت البشرى خاتم النبيين قبل معاينة تحقق النبوءة في الواقع: "لّقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً" [الفتح:27]، ولا يفوتك في التعبير "فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً" الوعد بنصر آخر يسبق فتح مكة مباشرة فدخلوها بالفعل آمنين سنة 8 هـ بعزة النصر القريب في غزوة خيبر سنة 7هـ، ومن تلك النبوءات التي تحققت بالفعل وشهد بصدقها الواقع انتصار الروم على الفرس في قوله تعالى: "غُلِبَتِ الرّومُ. فِيَ أَدْنَى الأرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ. وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" [الروم:2-6]. وكذلك اجتماع اليهود في أرض فلسطين مقدمةً لهزيمتهم بأيدي فئة مؤمنة طاهرة الأيدي موقنة بنصر الله في قوله تعالى: "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً" [الإسراء:104]، وتحقق كل تلك الوعود في الواقع شهادة تبلغ درجة اليقين عند المؤمنين بوعد الله تعالى في رعايتهم وهزيمة بني إسرائيل وتخاذل أعوانهم عن النجدة وحلول اللعنة والنقمة عليهم جميعا في قوله تعالى: "وَقَضَيْنَآ إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً. ثُمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوّلَ مَرّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً" [الإسراء:4-7].
ثالثًا: تأويل النبوءات قبل تحققها في الواقع تَكَلُّف ومُجَازَفَة:
في الحديث النبوي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد، وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" رواه مسلم، فهذه النبوءات وأمثالها من المسلمات عند جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة استنادا للأخبار النبوية الصحيحة عند المحدثين بلا تكلف التكييف، ولكن القصاصون قد استغلوا فضول السامعين وتشوفهم للغريب فخلفوا ركامًا من نبوءات موضوعة مليئة بالغرائب، قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: "إذا سمعت بحديث فعليك أن تسأل أهل العلم عن ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد وضع الكذابون على الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ضل بها كثير من الناس"، وقد تتضمن الرواية غير الصحيحة غرضاً سياسياً لزمن ولى فيغتر المعاصر ويُنزلها على حدث يقع اليوم وهي عند المحققين إسرائيليات دخيلة أو موضوعات مكذوبة مردودة إجماعًا، والأصل في الغيبيات هو التفويض والتسليم، ومخالفةً لمنهج التفويض ادعت القاديانية أن المسيح المنتظر مثيل وليس هو المسيح عيسى لأنه عليه السلام قد مات، وبناء على هذا التأويل ادعى مرزا غلام أحمد أثناء احتلال الإنجليز للهند أنه الموعود نبيًّا كالمسيح عليه السلام واكتسب الغطاء في الفتوى بتجريم مقاومة المُستعمر، وليست الروايات المدونة في أسفار أهل الكتاب سوى ترجمات مختلفة والنص الأصلي مفقود فليست إذن مصدرا موثوقا للنبوءات إلا ما صدقه الوحي في الكتاب العزيز، فقد يفضي التحريف إلى مخالفة الواقع فضلا عن اعتبار فرقة البروتستانت عددا من الأسفار دخيلة ومكذوبة فاستبعدوها بينما اعتمدها الكاثوليك والأرثوذكس وسموها الأسفار القانونية الثانية، وأما النبوءات المستندة على حسابات رقمية لسور القرآن الكريم وآياته وكلماته وحروفه فلا أصل موثوق لها في الدين ولا تتفق مع طرق المحققين في التفسير، وهي أقرب للتمني بزوال دول معتدية غاصبة منه إلى التفسير الموثوق، والشاهد الوثيق الوحيد مأمون العواقب هو معاينة النبوءة في الواقع؛ خاصة أن كثير من الروايات في وصف أحداث المستقبل يحمل طابع التعميم وتكلف حملها إذن على واقعة محددة أو زمن بعينه لا يسلم من المجازفة إن صحت الرواية، ولذا حتى في الرواية الصحيحة عند مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه والتي تكاد أن توافق الواقع اليوم: "يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟، قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبي إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنيهةً ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حَثْياً لا يَعُدُّه عَداً"؛ قال فضيلة الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني: "لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحديد مدة ذلك شيء، وعلى الناس شدة التحري فيما ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن نسبة شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون تثبت إثم، فإذا كان المنسوب إليه صلى الله عليه وسلم كذباً كان ذلك من أكبر الكبائر التي توعد أصحابها بالنار".
رابعًا: التأويل الباطل تحقيقًا لأماني طائفية أو مخططات استعمارية:
قد كثرت الادعاءات حول ملاحم آخر الزمان والمهدي والمسيح الدجال وقتال اليهود ونهاية العالم وظهور التميمي والهاشمي والأشوري والسفياني والقحطاني وخالفها الواقع وانتهى بعضها بمآسي، وبلغ الأمر التكهن بمقتل ملك معاصر تمهيدًا لظهور المهدي بعد شهر، وكان الموعد حج عام 1428هـ يوم عرفات وقد مضى وسلمه الله تعالى ولم يحدث شيء دليلا على أن الكهانة تلك مجرد أماني وأوهام إن لم تكن افتعالا للأحداث وتنفيذا لمخططات طائفية عمياء أو عمالة لجهات استعمارية تسعى لإثارة الفتنة وضرب المسلمين ببعضهم البعض، وفي بحث نفيس بعنوان "الانتظار عقدة أم عقيدة" سبق فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة مُحَذِّرًا بقوله: "عن قصة المهدي وما يشاع في الإنترنت عن ظهوره وعلاماته والرؤى المتعلقة به.. قد كتبت.. جواباً أبين فيه أن ما يُشاع ليس له أصل وإنما هي أشياء لا علاقة لها بالواقع ولا تعدو أن تكون إشاعات مُبطلة أو تمنيات من بعض النفوس اليائسة المُحْبَطَة"، وتتبع الغرائب إذن سعيًا للإثارة والاشتغال بالتكهن بأحداث المستقبل وإنزالها على الواقع بلا بينة رجمًا بالغيب مضيعة للوقت إن لم تكن مكائد تختلق الأحداث تأييدا لتأويل باطل، وقد تدخل تحت التحريض للقتل وإشاعة الفوضى والفتنة الطائفية؛ وهذا ليس سبيل المؤمنين وإنما مكائد أعداء الإسلام وأعوانهم ومن يمضي في دربهم بلا وعي ويُرَوِّج لها، وقد وقف الإسلام من الكهانة والعرافة موقفا حاسمًا وبين أنها لا تعدو الاستناد إلى التوهم والظن؛ بينما النبوءة الصادقة لا يُقْطَع بتحققها حتى تكتمل مواصفاتها وتتحقق في الواقع بالفعل.
الخلاصة:
مجمل القول أن أجل الإنسان أقرب من الانشغال بأخبار لا يَعْلَم بحقيقتها وكيفيتها إلا الله تعالى وحده، وحتى لو حَسُنَ القصد فقد قال صلى الله عليه وسلم لمن يسأل عن الساعة فيما رواه البخاري ومسلم: "وماذا أعددت لها؟"، وليس تكلُّف تأويلها قبل تحققها مما يُدخل الجنة أو يَقِي من النار والأسلم هو التسليم والتفويض بلا تكييف ولا إنكار. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ