إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الطعن في أمهات المؤمنين
المجيب
محمد عدود
عضو اللجنة العلمية بالموقع
التاريخ الاحد 27 ذو الحجة 1428 الموافق 06 يناير 2008
السؤال

نعلم جميعاً أن الكلام في عرض السيدة عائشة -رضي الله عنها- بعد نزول القرآن ببراءتها كفر، فما حكم المتكلم في عرضها قبل نزول القرآن ببراءتها؟ وهل يكفر من طعن في عرض زوجة أخرى من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم:
1- لقد كانت عائشة رضي الله عنها في أطهر بيت وأتقاه لله وأبعده عن الريبة، في بيت النبوة الذي يتنزل فيه الوحي آناء الليل وأطراف النهار، وما كان الله سبحانه وتعالى ليختار لفراش نبيه صلى الله عليه وسلم إلا أطهر النساء وأبرهن وأعفهن وأبعدهن عن الريبة، وكان من المفترض أن تكون هذه الحقيقة مُسَلَّمَةً لدى جميع المؤمنين ومنقوشة في أذهانهم.. ولما أراد الله إبراز هذه العقيدة وترسيخها وتثبيت هذا الدرس في عقول أهل الإيمان هيَّأ لذلك بحادثة الإفك الشهيرة التي كان لها دوي كبير، وكان لها وقع الزلزال على نفوس كثير من أهل الإيمان، واحتفل بها المنافقون وهلكوا فيها.
وعندما بلغت العقدة ذروتها، وبلغت القلوب الحناجر نزل الوحي من لدن اللطيف الخبير.. فأرشد الله المؤمنين إلى الموقف الذي كان ينبغي لهم أن يقفوه من هذه الشائعة (شائعة الإفك) عند انتشارها، وبيّن لهم مستوى الثقة الذي كان يجب أن يكون حاضرا في عقولهم؛ فقال سبحانه: "لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ" [النور:12]. وقد روي –كما يقول القرطبي– أن هذا الظن والمقارنة والاستنتاج السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما؛ وذلك أنه دخل عليها فقالت له‏:‏ يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذب! أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ قالت‏:‏ لا والله! قال‏:‏ فعائشة والله أفضل منك؛ قالت أم أيوب: نعم‏.‏ ‏
ولم يغفل القرآن ما كان ينتظر الخائضين في هذه الحادثة الشنيعة من العذاب لولا ما شملهم الله به من فضله ورحمته، قال سبحانه: "وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ" [النور:14-15].
كما عاتب سبحانه وتعالى المتكلمين بهذه الشائعة والخائضين فيها، فقال سبحانه: "وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" [النور:16]. وفي هذه الآية إشارة بليغة إلى أن اتهام أهل بيت النبوة ينافي تنزيه الله تعالى وتقديسه ويطعن في اصطفائه واختياره للمبلغين لرسالاته ووحيه (سبحانك هذا بهتان عظيم).
2- أما الطعن في عرض أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها وأرضاها – قبل نزول القرآن ببراءتها، أو قذف غيرها من المسلمين بالزنا، فقد جعله الإسلام جريمة من جرائم الحدود ووأجب على صاحبه عقوبة مقدرة تسمى: (حدّ القذف) إن لم يأت بشهود يشهدون معه بزنا الشخص المقذوف، وحَدُّ القذف ثمانون جلدة كما نص عليه القرآن في قول الله تعالى: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [النور:4-5]، وقد استثنى الله سبحانه الأزواج فأعطاهم حكما خاصا، وهو المعروف في الشريعة الإسلامية باسم: (اللعان)، وفي هذا الحكم يقول الله سبحانه: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ" [النور:6-9]، وتفاصيل أحكام القذف واللعان يُرجع فيها إلى كتب الفقه.
3- أما الطعن في أعراض بقية أمهات المؤمنين فهو –بلا شك– إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد توعد الله سبحانه وتعالى الذين يؤذون رسوله باللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب المهين، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً" [الأحزاب:57]. ومعلوم أن ما توعّد الله عليه باللعنة والعذاب فهو من كبائر الذنوب.
ومعلوم أن عائشة رضي الله عنها لها خصوصيتها في هذا المقام؛ لأن النص جاء صريحا في براءتها، فمن نسب إليها شيئا من ذلك بعد نزول القرآن فهو مكذب لله تعالى، وتكذيب الله كفر والعياذ بالله.
وقد حذر الله سبحانه وتعالى من تكرار مثل هذه الحادثة، مما يعني حرمة اتهام عائشة رضي الله عنها من جديد وكذلك من في حكمها من أمهات المؤمنين، فقال سبحانه: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: 17 - 18]. ‏يعني – كما يقول القرطبي – "في عائشة؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله؛ وذلك كفر من فاعله"‏.‏
ويقول الله سبحانه وتعالى في شأن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير حق: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً" [الأحزاب:58].
ويقول في الترويج لهذا النوع من الشائعات بشكل خاصٍّ: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" [النور:19].
والله سبحانه وتعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ