إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الأعياد بين التوقيفية والاجتهاد
المجيب
محمد الحسن الدَّدَوْ
الداعية الإسلامي المعروف
التاريخ الجمعة 04 ذو الحجة 1428 الموافق 14 ديسمبر 2007
السؤال

هل الأعياد الإسلامية مسائل توقيفية حددها الشارع سلفا ولا دخل فيها للاجتهاد، أم هي مفتوحة لاجتهاد الناس يمكن أن يضيفوا إليها، ويمكن أن ينتزعوا منها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأعياد هي عبادات؛ لأنها مواسم محددة لعبادات مخصصة وهذا النوع هو من التشريع، ومن المعلوم أن التشريع ليس من شأن البشر، ولا من شأن الملائكة ولا من شأن المخلوقين كلهم، فالتشريع من شأن الخالق وحده هو الذي يُحِلُّ ويُحَرِّمُ، ولا يستطيع أحد –لا نبي مرسل ولا ملك مقرب– أن يُحل شيئا أو أن يُحرم شيئا إلا بعلم من الله سبحانه وتعالى وثبَتٍ منه ودليل.
ومن هنا فإن الشارع الحكيم –وهو الله سبحانه وتعالى– رتَّب لهذه الأمة أعيادا على أساس دعائم الإسلام؛ فدعائم الإسلام وأركانه خمسة:
الركن الأول: الشهادتان ولا تختصان بوقت، فالوقت الذي يؤمن فيه الإنسان يكون فيه كأنه قد دخل الحياة من جديد؛ ولذلك يُجَبُّ عنه جميعُ ما سبق من عمره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: "أما علمت أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وأن الهجرة تجُبُّ ما قبلها". (تجبه أي تقطعه) فما قبل إسلام الإنسان ونطقه بالشهادتين مجبوب (مقطوع) من عمره.
الركن الثاني: الصلاة وعيدها أسبوعي وهو الجمعة؛ ولذلك فإن يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع، كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مطرقة مصيخة من طلوع فجره إلى طلوع شمسه تنتظر الساعة إلا الإنس و الجن، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائما يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ".
وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم بعض خصائص الجمعة، فمنها:
1- إجابة النداء، حيث أمر الله بذلك في كتابه فقال: (يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
2- ومنها الاغتسال الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "غسل يوم الجمعة حق واجب على كل محتلم".
3- ومثل ذلك الادهان والتطيب، أي أن يتطيب الإنسان من طيب بيته.
4- وأن يخرج إلى المسجد فلا يفرق بين اثنين بغير إذنهما.
5- وكذلك منها اللباس المختص بالجمعة "خير ثيابكم البيض صلوا فيها جمعكم وكفنوا فيها موتاكم، ما ضرَّ أحدَكم لو كان له ثوبان أحدهما لمهنته والآخر لجمعته". فهذا يقتضي تمييز الجمعة عن غيرها.
والركن الثالث من أركان الإسلام: الزكاة، و عيدها هو يوم دوران الحول، فيخرجها الإنسان فيه طيبة بها نفسه، وليس ذلك عيدا عاما للناس لأن الزكاة ليست مثل الصلاة أو الصوم أو الحج من الأمور المشتركة، بل هي أمرٌ فرديٌّ فلا يكون ذلك عيدا لكل الناس، بل صاحبها يعلم أن عليه عبادة تعود في هذا اليوم من كل سنة، وهذا معنى العيدية بالنسبة لهذا الركن.
الركن الرابع من أركان الإسلام: هو الصوم، وعيده هو عيد الفطر من رمضان، وقد شرع الله فيه عبادتين، إحداهما: الصلاة، والثانية: زكاة الفطر، وزكاة الفطر فيه مقدمة على الصلاة.
والركن الخامس من أركان الإسلام: هو الحج، وعيده هو عيد الأضحى، وفرض الله فيه عبادتين: الصلاة، والضحية، والصلاة فيه مقدمة على الضحية.
أما ما سوى ذلك من الأعياد التي يبتدعها الناس فلم يأذن الله بها، ولو كانت خيرا لسبقنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أنتم تعلمون أن المشركين قالوا: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) ونحن معاشر المؤمنين قاعدتنا على خلاف قاعدة المشركين –خالفوا المشركين– نقول: لو كان خيرا لسبقونا إليه؛ نعلم أن كل الخير هو ما سبق إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن لهم عيد عامٌّ غيرَ هذين العيدين أو الجمعة وهي عيد الأسبوع.
ودعوى بعض الناس أن اتخاذ يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدا هو من محبته و تعظيمه باطلٌ؛ إذ لا يمكن أن يكون هؤلاء أشدَّ تعظيما ولا محبة للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
هل يدَّعونه؟ نحن نعلم قطعا أنهم ليسوا يساوونهم في الاتباع ولا في التضحية في سبيل دينه، فكيف يدعون أنهم أشد محبة له أو اتباعا له أو إجلالا له هذا لا يمكن أن يتصور!..
وكذلك فيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم غير مقطوع به، نجزم قطعا بأنه كان يوم الاثنين؛ لما أخرج مسلم في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن صيام يوم الاثنين فقال: "ذلك يوم ولدت فيه". وهذا يقتضي سُنِّية صيام يوم مولده لو عرفناه، فلما عرفنا أنه يوم الاثنين كان سنة و الصيام منافٍ للعيدية؛ لأن العيد لا يحل صومه، فيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم يسن صومه بنص الحديث الذي في صحيح مسلم وهذا مناف للعيدية.
الأمر الآخر أننا نجزم بأنه ولد في شهر ربيع الأول لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهو الذي توفي فيه، لكن لا نجزم باليوم الذي ولد فيه منه، فلم يعرف الناس وقت مولده أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعرفوا ذلك إلا عند بعثته، لو كانوا يعرفون عند مولده أنه رسول الله لكتبوا ذلك اليوم وعرفوه، لكن لم يعرفوا أنه رسول الله إلا عند بعثته بعد أن بلغ أربعين سنة؛ ولذلك فقد اختلف الصحابة في يوم مولده، فقد ورد عن عائشة أنه اليوم الثالث من شهر ربيع الأول، وورد عن علي أنه اليوم الثامن منه، وعن المسور بن مخرمة أنه اليوم الثاني عشر منه.
واليوم الثاني عشر من ربيع الأول هو قطعا يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم موته ليس يومَ فرح ولا سرور، فما أصيب المسلمون بمصيبة أعظم من موته صلى الله عليه وسلم.
وأولُ من احتفل به أو جعله عيدا: العبيديون الذين لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمته، وأول من فعل ذلك منهم: المعز الذي كان يدَّعي الألوهية، وقال فيه ابن هانئ الأندلسي:
"ما شئت لا ما شاءت الأقدار فافعل فأنت الواحد القهار"
نسأل الله السلامة و العافية!
فلذلك لا بد من الحذر من الابتداع في مثل هذا النوع، وأن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية لمسلم. "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". فلا يمكن لأحد أن يكون أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا أكثر اتباعا له ولا محبة من أصحابه الذين شرفهم الله بصحبته، واختارهم له وهم أفضل الأمة وأولاها بالصواب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" وقال: "يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمدا فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمدا فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمدا فيقولون نعم فيفتح لهم". و لذلك لا يمكن أن يلحق أحد بهم، ولا أن ينال بلاءهم في الإسلام ولا منزلتهم فيه، فما لم يعرف في زمانهم فلا خير فيه؛ ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر مقالا". وكذلك فإن الإمام مالكا رحمه الله قال: "لقد أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا".


إرسال إلى صديق طباعة حفظ