إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان القدر والأسباب
المجيب
د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
التاريخ السبت 24 محرم 1429 الموافق 02 فبراير 2008
السؤال

تناقشت أنا وبعض الإخوة في مسألة القدر والأسباب، فقال أحدنا: إن الله عز وجل نفى الأسباب في قوله (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين)، وقال الثاني: إن الله وفَّر لكل شيء سببا، وغالبا ما يكون السبب غيباً على الناس ولا ينفي القدر، وقال الآخر: أمرنا الله تعالى بالأخذ بالأسباب، مع علمنا بأن كل شيء بإرادته. نرجو من فضيلتكم التفصيل في هذه المسألة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
القدر سر الله في خلقه،لم يطَّلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام فيه، فقال: "إذا ذكر القدر فأمسكوا" فالواجب على المسلم في القدر التسليم والإمساك عن النظر والتعمق فيه، فإنه طريق الضلال، ولا نتيجة له إلا الخذلان والوقوع في الباطل، لما ذكرنا من أنه لا علم للخلق به فهو سر الله في خلقه. فعليكم ترك الكلام في حقيقة القدر والنظر في ذلك، بل وحتى الفكر فيه، فيجب مدافعة الأفكار والوساوس في ذلك، وقد قال الله في كتابه: "لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون".
والأسباب شيء والمشيئة شيء آخر، والخلط بينهما جهل، وليس في قوله سبحانه، "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله" نفي للأسباب، فالأسباب شيء آخر غير المشيئة، وهو ليس نفياً للمشيئة، ولكن إثبات، لكون الإنسان لا يشاء إلا أن يشاء الله، فالآية جاءت بعد قوله "لمن شاء منكم أن يستقيم" فأثبت المشيئة للخلق، ثم بيَّن أنها لا تكون منهم إلا إذا شاءها الله.
والعبد إذا شاء أن يعبد الله اتخذ أسباب ذلك من الدعاء والاستعانة ونحوها، والله عز وجل قد جعل لكل شيء يخلقه ويقدره سبباً، ونفي الأسباب نقص في العقل، وعلى العبد أن يأتي بالأسباب التي أمر الله بها، ويترك الأسباب التي نهى الله عنها، فيعمل بشرع الله ودينه، ويلتزم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له" فأمر بالأسباب، وأوكل تقديرها وخلقها لمقدرها وخالقها سبحانه، ولم يزد على ذلك، لأنه لا زيادة عليه إلا الكلام في سر القدر المغيَّب عن الخلق.
ولا ينقضي عجبي ممن لا يعرف الفرق بين المشيئة والسبب، ولا يعرف معنى قوله سبحانه "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله" ثم يذهب يبحث في القدر وعلاقته بالأسباب، ولكن الجهل لا يجر إلا جهلاً. غفر الله لنا، ورحمنا بتوفيقه إلى التسليم لقدره سبحانه وشرعه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ