إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التورع عن القضاء
المجيب
د. عبدالوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الاربعاء 07 محرم 1429 الموافق 16 يناير 2008
السؤال

أنا طالب في قسم القضاء، ولم أدخله إلا بعد استشارة واستخارة، ولكن لامني كثير من إخواني الذين أعلم أنهم لا يريدون لي إلا الخير، والسبب لا يخفى عليكم أن الدولة الآن تحتاج للكثير من القضاة، مما يجعل اختياري للقضاء كوظيفة فرصة أكبر، مع أنني لا أريد وظيفة القضاء، ولو عُرِضت علي سأرفضها بإذن الله، ولكنهم قالوا لي ستفتن حين ذاك وستقبلها، وأنا ما دخلت هذا القسم إلا لأنه أفضل الأقسام في العلم الشرعي، واللهَ أسأل أن يجعل النية في ذلك خالصة لوجهه. فالآن أنا أفكر في التحويل لقسم آخر، وأنا أعلم أنه سيفوتني فصل دراسي كامل، وعلم قد لا أحصله في باقي الأقسام. مع العلم أن الذي أرشدني إلى هذا القسم هو شيخي الذي درست -ولا زلت أدرس- عنده المتون العلمية الشرعية، وهو يعلم مستواي العلمي، ولكن مع كثرة كلام الناس صرت أخاف وأشك. أرشدوني ماذا أفعل؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ابني الكريم:
أولاً: أهنئك بسلوك طريق العلم الشرعي، وأحتسب أن ذلك من إرادة الله الخير لك، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، فهنيئاً لك بسلوك طريق العلم، فإن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سلك الله به طريقاً إلى الجنة.
أسأل الله عز وجل أن يبارك لك فيما أردت واخترت، وأن ينفعك وينفع بك.
ثانياً: أهنئك على استعانتك في أمورك بالمشورة، وخيراً فعلت يوم استشرت شيخك الذي درست ولا زلت تدرس عليه المتون العلمية، فهو أعلم بك وبمستواك وقدراتك، ولكني في الوقت ذاته أحذرك من كثرة الاستشارة التي تحدث الحيرة، وأن تكون إذا استشرت متطلب برهان، ولا تكتفي بأن تأخذ من هذا وجهة نظره، ومن هذا وجهة نظره، إنما تأخذ من هذا دليله وبرهانه على ما قال، ومن هذا دليله وبرهانه على ما قال، ثم تقارن بين براهين الأقوال، وتختار أرشدها وأقومها، وكما أن كثرة الاستشارة تفضي إلى الحيرة والتردد، ولذلك قيل: أن تخطط لأمرك مرة واحدة فهذا جيد، وأن تخطط له مرتين فهذا جيد جداً، وأن تخطط له ثلاث مرات فهذه كارثة، وقديما قيل:
ومشتت العزمات ينفق عمره حيران لا ظفر ولا إخفاق
ثالثاً: أحذرك من التقليد في الورع، فإن الورع لا تقليد فيه؛ لأن الورع لكل بحسبه، ولقد لاحظت أن أكثر الذين يرفضون القضاء في بداية حياتهم إنما يرفضونه تقليداً، وليس عن دراسة لظروفهم وحالهم وملابساتهم، وإنما يستمعون إلى من يحذرهم من القضاء، ويذكر لهم قصص العلماء السالفين الذين كان لهم مواقف في رفض القضاء؛ وربما أُوذوا على الرفض وصبروا كأبي حنيفة وسفيان الثوري ونحوهم، وهنا لا بد أن نتنبه لأمور:
1- أن هؤلاء العلماء الذين رفضوا القضاء كانت لهم ظروفهم وملابساتهم التي جعلتهم يتورعون عنه، وهي ليست قواعد مطردة تطرد عليهم وعلى غيرهم، ولكنها بحسب حالهم وظروفهم، ولذلك كان ورعهم عن علم بحالهم وحال ظرفهم وملابساتهم وزمانهم.
2- أن القضاء في السابق كان واسع النفوذ ولذلك قد تزل فيه الأقدام، فكان القاضي يقضي في كل شيء، وغالباً لا يتعقبُ قضاؤه ولا يُراجع حكمه، وكان القاضي يلي أموراً كثيرة، كبيت المال، والنظارة على أموال الأيتام ونحوها، وهذه مظنة الإخلال أو التفريط بالذمم، كما أن القاضي كان يتعرض لضغط مباشر من الولاة و السلاطين في ذلك الوقت، فربما رأى بعض العلماء أنه لا قدرة له على تحمل هذا العبء أو مواجهة هذا الضغط، فيرى السلامة في الترك، وهو أدرى بنفسه.
3- أما القضاء اليوم فليس كالقضاء في السابق، فإن القاضي اليوم تعرض القضية أمامه عن طريق المحامين الذين قد يكون بعضهم أدرى بالعلم منه، ولا يمكن أن يدع أمامه فرصة لتجاوز الشرع والحق، إذ سيتعقبه باللوائح الاعتراضية، كما أن قضاءه إذا قضى يعرض على من هو أعلم منه في محكمة الاستئناف، ويراجع، وقد يرفع إلى مجلس القضاء الأعلى في الأمور الخطيرة كالدماء ونحوها، ولذلك فالقاضي ليس مستبداً في تحمل المسؤولية تماماً، كما كان في السابق.
4- يا بني كما كان هناك مَنْ تورع عن القضاء فهناك مَنْ تصدى له، وكان لهم في ذلك مواقف مشرفة، وأول من تصدى للقضاء هم أنبياء الله ورسله، وهذا يدل على شرف هذه الوظيفة، قال الله تعالى: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ" [ص:26]. وقال عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ" وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي..."، وتوالى العلماء منذ زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي للتصدي لهذه المسؤولية، فكان عمر قاضياً، وعليٌّ قاضياً، وشريح قاضياً، وشريك، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، والمنذر بن سعيد البلوطي، والعز بن عبد السلام، والحافظ ابن حجر، والإمام الشوكاني، ومن أئمة العصر الشيخ أحمد شاكر، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن حميد، وهكذا.
5- وعندما طلب السلطان من الشيخ محمد مسلم المزني الحنبلي تولي القضاء توقف، فلامه شيخ الإسلام ابن تيمية، فأجاب وباشر القضاء وأحسن المباشرة، وحمدت سيرته رحمه الله. بغية الوعاة (1/245).
6- أرى يا بني أن تدخل هذا المجال وتتعلم، ثم ليكن ورعك في بذل الجهد في معرفة لياقتك لهذه الوظيفة، فإن اكتشفت بعد قطعك لمشوارك العملي أنها لا تناسبك؛ فيمكنك دراسة الأمر بطريقة أخرى، ومعرفة جوانب النقص فيك، فإذا كانت فيما يمكن تسديده؛ فسدده وامض على بركة الله، وإن وجدت أنها لا تناسبك بحال، فالأمر في يديك، وما تعلمته واستفدت فإنه غنيمة وليس بمغرم.
7- أطلب منك أن تتساءل عن شعورك عندما تسمع بقاض رقيق الدين، يقبل الرشوة أو يسيء القيام بعمله ألا تشعر بالاستياء، وتتمنى لو كان في مكانه من هو أعلم وأورع وأتقى لله؟! دعني وإياك نتساءل متى سيتحقق ذلك إذا كان الأورع والأعلم سيدفع هذه المسؤولية عنه، ويتخلى عنها إذا وجهت إليه؟! إن علينا حينئذ ألا نستعلن باستياء أو امتعاض عندما نرى ما ننتقده من سلوك قضاة ينقصهم العلم أو الورع، بينما أهل الورع منا ينزوون عن القيام بدورهم.
8- أذكرك يا بني أن الورع ليس بالترك والإعراض، ولكن الورع الحقيقي في إبراء الذمة بتحمل المسؤولية عند القدرة عليها واللياقة لها، وسيكون للقاضي في منصبه ما يمكنه من إيصال الخير، وتعميم النفع، واكتساب فرص كثيرة لفعل الخيرات لا تتسنى لغيره، والمفرط فيها مضيع لفرص من الخير كثيرة، وأنت في مستقبل عمرك، وبداية شبابك ينبغي أن تؤهل نفسك لمسؤولية كبيرة، ولدور فاعل مؤثر، ولن يكون ذلك إذا كنت تعد نفسك من الآن لدفع المسؤولية إذا وردت عليك.
أسأل الله أن يختار لك ما فيه الخيرة لك، وأذكرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز".
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ