إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان دخول الأجانب على عائشة
المجيب
محمد عدود
عضو اللجنة العلمية بالموقع
التاريخ الجمعة 23 محرم 1429 الموافق 01 فبراير 2008
السؤال

اطَّلع أحد الإخوة لحديث الذي ورد في رياض الصالحين رقم (1868)، وسأل السؤال التالي:
1- كيف تسمح السيدة عاشئة رضي الله عنها بدخول الأجانب بيتها؟
2- من أين للسيدة عائشة بقيمة أربعين عبدا لتعتقهم في سبيل الله؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم:
أولاً: من أجل أن تكون الإجابة واضحة لابد –في البداية– من سرد القصة التي يشير إليها السؤال من المصدر الذي ذكره السائل (رياض الصالحين)، قال النووي رحمه الله تعالى:
[1859] وعن عوف بن مالِك بن الطُّفَيْلِ: أنَّ عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، حُدِّثَتْ أنَّ عبدَ اللهِ بن الزبير رضي الله عنهما، قَالَ في بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أعْطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها: واللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، قالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا! قالوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أنْ لا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِيْنَ طَالَتِ الهِجْرَةُ. فَقَالَتْ: لا، واللهِ لا أشْفَعُ فِيهِ أبدًا، وَلا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعبدَ الرحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وقَالَ لَهُمَا: أنْشُدُكُمَا اللهَ لَمَا أدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَإنَّهَا لا يَحِلُّ لَهَا أنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ، وَعَبدُ الرحْمَنِ حَتَّى اسْتَأذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالا: السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالت عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قالوا: كُلُّنَا؟ قالتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلا تَعْلَمُ أَنَّ معَهُمَا ابْنَ الزُّبَيرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيرِ الحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ المِسْوَرُ، وَعَبدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَة مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكرُهُمَا وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيرِ، وأعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعدَ ذَلِكَ فَتَبكِي حَتَّى تَبِلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا. رواه البخاري. [ صحيح البخاري، ح 6142].
ثانياً: لابد من التنبه إلى أن الدخول إلى البيت يختلف عن تجاوز الحجاب، والدخول إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم مأذون فيه للجميع كما جاء في نص القرآن، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا" [الأحزاب: 53] ففي هذه الآية ربط صريح بين الدخول والإذن، وقد حصل الاستئذان والإذن بالدخول في هذه القصة (فَأقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ، وَعَبدُ الرحْمَنِ حَتَّى اسْتَأذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالا: السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالت عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قالوا: كُلُّنَا؟ قالتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ).
أما تجاوز الحجاب فهو ممنوع على غير من استثناهم الله تعالى في قوله سبحانه: "لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ" [الأحزاب: 55]. ومعلومٌ أن عائشةَ رضي الله عنها خالةُ عبدِالله بنِ الزبير؛ لأن أمَّه أسماءُ بنتُ أبي بكر رضي الله عن الجميع.
وواضح من خلال القصة أن عائشةَ رضي الله عنها التزمت الحجاب، وأنها لم تر المسور ولا عبد الرحمن (فَقَالا: السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أنَدْخُلُ؟ قالت عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قالوا: كُلُّنَا؟ قالتْ: نَعَمْ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلا تَعْلَمُ أَنَّ معَهُمَا ابْنَ الزُّبَيرِ)، ولو كانت –رضي الله عنها– تراهما لفسدت الحيلة التي أراد ابن الزبير من خلالها الحصول على الإذن بالدخول.
وبعد أن تم لابن الزبير ما أراد من شموله بالإذن بالدخول الصادر أساسا لكل من المسور وعبد الرحمن (ادْخُلُوا كُلُّكُمْ)، ظهرت الخصوصية له دونهما، وأنه وحده هو الذي يجوز له تجاوز الحجاب –دون رفيقيه– وأن يرى خالته (عائشة) وتراه، (فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيرِ الحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي...) فهذا النص صريح في أن الذي دخل على عائشة مباشرة وخاطبها من دون حجاب إنما هو ابنُ أختها.
ويتبين مما سبق أن الدخول له مستويان: مستوى عام وهو الدخول إلى البيت، وهذا لا يرتبط بالمحرمية ولا يتعارض مع الحجاب، ويجوز لكل أحد بعد إذن أهل البيت.. وهذا الدخول هو الذي اشترك الثلاثة المذكورون في هذه القصة.
أما المستوى الثاني فهو خاص بمن تربطه علاقة محرمية شرعية بمن في البيت من النساء، ويتعارض مع الحجاب.. وهذا المستوى هو الذي اختص به ابن الزبير في هذه القصة. رضي الله عن الجميع.
وبهذا يرتفع الإشكال الوارد في الفقرة الأولى من السؤال.
ثالثاً: فيما يخص العتق: الذي يتبين من مجموع روايات هذه القصة هو أن عتق هذا العدد لم يكن دفعة واحدة؛ فقد أرسل إليها ابن الزبير بعشر رقاب لتعتقهم، وبعثت هي بمال إلى اليمن فاشتريت لها رقاب فأعتقتها، ولم تزل تعتق حتى وصلت إلى تمام الأربعين، والسبب في بلوغها هذا العدد الكبير هو أنها نذرت نذرا مفتوحا، ولم تجعل له حدا يقف عنده؛ ولهذا احتاطت في الكفارة رضي الله عنها وأرضاها.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ