إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الإسبال بدون خيلاء
المجيب
سليمان بن عبدالله الماجد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الثلاثاء 12 صفر 1429 الموافق 19 فبراير 2008
السؤال

شيخنا الفاضل.. هل تنطبق قاعدة (حمل المطلق على المقيَّد) على النصوص الواردة في النهي عن الإسبال، فيحرم منه ما كان على وجه الخيلاء دون غيره؟ أم أنه من اختلاف الحكم والسبب؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
قيل: بحمل هذا على اختلاف الحكم باختلاف السبب؛ فمن أسبله فله النار؛ لحديث: "ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار"، ومن فعل ذلك خيلاء فلا ينظر الله إليه ولا يزكيه؛ للحديث الآخر، وقيل: بحمل المطلق على المقيد؛ فلا يحرم إلا على من أراد الخيلاء، والأقرب: هو حمل المطلق على المقيد، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، وقول جماهير العلماء، وجمع من المحققين منهم ابن تيمية والصنعاني والشوكاني، ووجهه: أن قيد الخيلاء معتبر، ولم يورد في الحديث إلا لمعنى، واعتبر الفقهاء التقييد بالوصف في مثل هذه الأحوال؛ كوصف السائمة في زكاة المواشي، وغيره من الأوصاف كثير، وهذه هي دلالة مفهوم المخالفة التي يقول بها جماهير الفقهاء والأصوليين، وعند التأمل لا تجد أن هناك عقوبتين مختلفتين حتى نجمع بتعدد الأسباب؛ فعقوبتا صرف النظر والنار عقوبة واحدة جنساً لعمل واحد هو الإسبال خيلاء، ومما يؤكد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ذكر عقوبة النار لمن جره خيلاء في قوله: "من وطئ على إزار خيلاء وطئه في النار" رواه أحمد من حديث هُبيب بن مغفل، وهو صحيح؛ ما يعني أنهما عقوبتان لعمل واحد، ثم إن العقوبتين متلازمتان؛ فمن دخل النار لم ينظر الله إليه، ومن صُرف عنه نظر الباري سبحانه دخل النار، وإنما نُوعت لمزيد الزجر والوعيد. ويُقال من وجه آخر: جاءت عقوبة ثالثة في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام" رواه أبو داود، وهو صحيح؛ فهل نبحث عن سبب آخر يناسب هذه العقوبة؟
وقد تأيد هذا بالهدي العملي له صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: "إنك لست ممن يفعله خيلاء"، ولا يمكن أن يُوجَّه هذا بكونه خاصاً بأبي بكر رضي الله عنه، ولا لأن الإسبال كان عارضاً وأنه يتعاهده؛ فالخصوصية تحتاج إلى دليل، أما التوجيه بكون استرخاء الإزار عارضاً؛ ففيه نظر؛ لأن المناسب للحال أن يقول: لا حرج عليك؛ لكونه استرخاءً عارضاً، وأنت تتعاهده، ولهذا لم يعدل صلى الله عليه وسلم عن ذكر هذين السببين إلى ذكر وصف الخيلاء إلا لإرادة ما دل عليه اللفظ من مفهوم، وأنه علة يدور معها الحكم وجوداً وعدماً، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليرضى لأبي بكر بالنار اكتفاء ببقاء نظر الله تعالى له. فإن قيل: ما سبب إطلاق العقوبة من قيد الخيلاء في نصوص كثيرة؟ يقال: أجاب عن ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله بقوله: (.. لأن الإسبال مَظِنَّة الخيلاء فكُرِه؛ كما كُرِهت مظان سائر المحرمات).
ولهذا فإن الأرجح دليلاً وتعليلاً أنه يُحرم من الإسبال ما كان لخيلاء، ولا يحرم ما كان لغير ذلك، وهو قول الجمهور كما تقدم.
وليس المقصود من هذا هو مجرد التسهيل، ولا أن نبادىء الناس بذكر ذلك، ولكنها موقظة لطالب العلم المتخصص أن يجعل الأمر في نصابه، بأن يوطن نفسه على أن المسألة اجتهادية يسيرة من حيث دلالة النصوص؛ فلا يُقسم الخلق بناء عليها إلى صالح وطالح، ولا إلى تقي وشقي، وأن يعلم أنه يحصل بجعل القضية معيار الالتزام أو عدمه، وتفرقة الناس بناء على القول فيها أو العمل يحصل من المفسدة أضعاف ما نرجو من مصلحة حمل الناس على ما نراه راجحاً، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في نحو هذا المعنى في (مجموع الفتاوى) (35/74): (.. ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون من الفرقة). والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ