إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اختلاف الصحابة في الحجاب
المجيب
د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 25 محرم 1429 الموافق 03 فبراير 2008
السؤال

هل اختلف الصحابة في وجوب الحجاب؟
وإن اختلفوا كيف نتصور اختلافهم وقد عايشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي ينزل عليه؟
- وما تفسير من يرى عدم وجوب تغطية الوجه لقول الله تعالى: "ذلك أدنى أن يعرفن..."؟!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالجواب عن في هذه المسألة لا يخرج عن احْتمالات ثلاثة:
- الأول: أنهم لم يختلفوا على استحبابه.
- الثاني: أنهم لم يختلفوا على وجوبه.
- الثالث: أنهم اختلفوا؛ فمنهم من أوجب، ومنهم من استحب.
وبعيد على الصحابة أن تخرج أقوالهم عن هذه الثلاثة، فلا يرد عنهم القول بالإباحة، دع عنك التحريم أو الكراهية؛ فالحجاب أمر مجمع على مشروعيته بالنصوص الآمرة به، وهم أعظم من امتثل.
فلنفحص أي هذه الثلاثة هو الأقرب؟.
فأما عن الاحتمال الأول، فيشكل عليه ما ورد عن ابن عباس في آية الجلباب، وما ورد عن ابن مسعود في آية الزينة.
- فقد قال ابن عباس في قوله تعالى: "يدنين عليهن من جلابيبهن": "أمر الله نساء المؤمنين، إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن، ويبدين عينا واحدة". فقوله هذا ظاهر في الوجوب.
- وقال ابن مسعود في قوله تعالى: "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها": "الثياب". ومن المتفق عليه: أن كلامه هذا دال على وجوب تغطية الوجه، وسائر البدن.
فهذان الأثران، واتفاق المسلمين على وجوب حجاب الوجه على أمهات المؤمنين: يدل صراحة على بطلان الاحتمال الأول أن يقال: "إنهم لم يختلفوا على استحبابه"، أو يقال: "إنهم متفقون على استحبابه"، وكلاهما بمعنى، لكن هذا مقام إيجابي، والأول مقام سلبي.
وهذا من باب التنزل مع الخصم؛ إن زعم أنهم اتفقوا على الاستحباب: أورد عليه هذه الآثار. ليس فيه التسليم بأن منهم من كان يرى الاستحباب.. فأما التحقيق فأمر آخر.
بقي الاحتمالان: الثاني، والثالث.
فأما الثاني: "أنهم لم يختلفوا على وجوبه"، فأولى من قد يذهب إليه؛ من يقول بوجوب تغطية الوجه. ولا يلزم؛ إذ قد يقول: قد اختلفوا، كما في غيرها. لكن من قالوا بالتغطية قد أصابوا دون غيرهم.
أما من لا يقول بالوجوب، فهو قطعا لا يقبل بفرض: اتفاق الصحابة وعدم اختلافهم على الوجوب؛ لأنه لو قبل لم يسعه أن يخالفهم.
لكن لو تركنا هذا الاحتمال قليلا، ثم التفتنا إلى الاحتمال الثالث: "أنهم اختلفوا بين موجب، ومستحب" فهذا الاحتمال يرد عليه إشكال هو: أنه لم ينقل عنهم جدل في المسألة؛ رد وتعقب، كما هو المشهور عنهم في مسائل ليست بأكبر من مسألتنا هذه. مثل: سماع الأموات، وصيام الجنب، والتمتع في الحج، وإتمام الرباعية بمنى، ونحو ذلك مما اختلفوا فيه، من فروع المسائل، ونقل خلافهم.
فلم نقف على خلاف بينهم في حجاب الوجه، لم نر من نسبوا إلى القول بجواز الكشف كابن عباس، وابن عمر، وعائشة يردون على ابن مسعود، كذلك هو لم يرد عنه رد وتعقب، فعلام يدل هذا؟.
ذلك مما يرجح أنه لم يكن بينهم خلاف في المسألة، فإما أنهم كانوا جميعا على القول بالاستحباب، وهذا مردود بما سبق. أو أنهم على القول بالوجوب، وهذا هو الاحتمال الثاني.
إن عدم نقل خلاف بينهم في هذه المسألة، يدل على اتفاق أمرهم فيها، فإذا ثبت بطلان اتفاقهم على الاستحباب، وكان من المحال اتفاقهم على الإباحة، فضلا عن التحريم لم يبق إلا أنهم اتفقوا على الوجوب، فلم يختلفوا على ذلك.
فبالنظر إلى الأحكام التكليفية الخمسة، لا نجد شيئا منها يصلح أن ينسب قولا لهم، لا يكون عليه ملحظ، ولا يرصد فيه إشكال -بحسب ما ورد عنهم– سوى الوجوب.
وهنا لا بد أن يقال: فما تصنعون بالآثار الواردة عن ابن عباس نفسه، وعائشة وابن عمر في تفسير آية الزينة: أنها الوجه والكف؛ أي جواز إبدائهما. أفليس هذا مبطل لهذا المذهب في نسبة القول بالوجوب إليهم، ومشكل عليهم؟.
فيقال: هكذا هو ظاهر الأمر.. لكن عند التحقق تظهر أمور أخرى معتبرة، تشكك في تلك النتيجة، فابن عباس الذي ورد عنه هذا التفسير، قد ورد عنه في الآية نفسها تفسير آخر، يتضمن تقييد ذلك بمن دخل على المرأة بيتها، حيث يقول:
- "والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف والخاتم. فهذه تظهرها في بيتها لمن دخل من الناس عليها". وهو أثر صحيح
وبالقطع فإن ابن عباس لا يقصد بالناس هنا: الأجانب. إنما محارمها.
وإنما ترجح هذا الاحتمال لأمرين اثنين، هما:
الأول: هل كان يظن بابن عباس أن يفتي للمرأة بأن تتزين للأجنبي، يدخل عليها بيتها، بالكحل، والخضاب، والخاتم؟.
لو كان المقصود جواز كشف الوجه والكف، لكان اكتفى بهما، دون ذكر ما عليهما من زينة بالتخصيص؛ إذ لا فائدة ترجى من ظهور المرأة بها أمام رجل أجنبي سوى الإثارة.. وهل كان ابن عباس مجيزا للمرأة أن تفتن الرجال بمثل هذه الزينة، بل هل يظن مثل ذلك بالآية القرآنية؟.
وهل القصد من الكشف، بحسب قول من أجاز الكشف: الإثارة، أم التسهيل والتيسير على المرأة؟.
ولم مثل هذا الاختصاص بهذه الزينة في بيتها؟.
إن المنطق يقول: لو أذن بذلك في بيتها للأجنبي، لم يكن ثمة فرق بين هذا وإذنه لها بذلك خارج بيتها، فما أجيز أن تبديه للأجنبي في بيتها، أحرى أن يجاز لها خارجه.
هذا وابن عباس لا يخفى عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا على النساء بيوتهن)، فكيف يغفل عن هذا ويبيح لها أن تقابل هذا الأجنبي في بيتها بزينة في وجهها ويديها؟!!.
لكل هذه المشكلات والمحذورات، لم يكن بد من حمل قوله: "من الناس.." على محارمها.
الثاني: أن ابن عباس نفسه قد فسر آية الجلباب، بما يفيد وجوب تغطية الوجه على جميع النساء، تفسيرا صريحا، مرويا عنه بالسند نفسه الذي روي به عنه الأثر الآنف، في دخول الناس عليها بيتها، فلو أخذنا بالظاهر فهو التناقض؛ إذ مرة يجيز الكشف، ومرة يمنع!!.. لكن لو فهمنا كلامه بجمع بعضه إلى بعض –كما تقدم آنفا- استقام، وطلب استقامة الدليل، وتآلف القول مع إمكانه، أولى من طلب تناقضه.
وأمر ثالث ذكره بعضهم كابن تيمية: أن الأمر في أوله كان على جواز كشف الوجه واليدين، وحينئذ نزلت آية الزينة، فلما نزلت آية الجلباب والحجاب، جاء حكم جديد بتغطية ذلك كله.
فإذا كان أثر ابن عباس له تفسير يتوافق مع القول بالتغطية، تفسيرا لا يخرج عن الأصول، ليس فيه تحريف ولا تأويل باطل، فلا يمنع أن يكون كذلك تفسير عائشة وابن عمر لآية الزينة، له توجيه وحمل يتوافق مع النصوص الموجبة للتغطية؛ أقربه: أنه كان بحسب الحكم وقت نزول الآية، كان الأمر على جواز الكشف، ثم نزلت آيتا الجلباب والحجاب بحكم جديد.
وآية ذلك: أننا لم نقف على رد لعائشة رضي الله عنها على ابن مسعود وابن عباس في أمر يخص النساء، وهي منهن. مع أن عادتها كانت التعقب والرد.
أخيرا: يمكن أن يرد هنا كذلك: أن الإيجاب على أمهات المؤمنين، والاستحباب على نساء المؤمنين. وأنهم على ذلك اتفقوا، ويدل عليه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد خيبر عن صفية بنت حيي رضي الله عنها لما صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إن حجبها فهي من أزواجه".
ويجاب عن هذا: أنه بالنظر إلى تفسير ابن عباس لآية الجلباب والزينة، لا نجده يفرق بين حجاب الأمهات والنساء، بل قوله في آية الجلباب أصرح في العموم؛ إذ ذكرت جميع الأصناف، قال تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن"، فجاء ابن عباس فذكر تفسيرها، ولم يستثن أمهات المؤمنين بحكم خاص، فلو كان هذا مشهورا لديهم لذكره.
كذلك ابن مسعود في آية الزينة، ذكر جواز إبداء الثياب؛ أي العباءة، وجعلها من الزينة الظاهرة، ولم يجعل هذا الحكم خاصا بالأمهات، ولم يرد عنه شيء يفهم التفريق بين حجاب الأمهات والمؤمنات.
فأما قول عمر في صفية، فذلك يثبت الفرق بين الأمة والحرة في الحجاب، كما قررتها آية الجلباب: "ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"؛ أي يعرفن أنهن حرائر فلا يتعرض لهن الفساق، ولا يعني ذلك جواز التعرض للإماء، لكن هؤلاء الفساق كانوا يعللون تحرشهم بالنساء، أنهم ظنوا بأنهن إماء، فجاء الأمر بتمييز الحرائر بحجاب الوجه، لإبطال هذا التعلل، لا تجويز التعرض للإماء. فكأنك قلت: هذا عذركم وقد أبطلناه بهذا التمييز، فكفوا عنهن. ولا يلزم من هذا الإذن بالتعرض للإماء؛ إذ يندرج تحت النصوص العامة، الآمرة بغض البصر، وحفظ الفرج.
فأثر عمر يبين أن الحرة تحتجب بالتغطية، أما الأمة فلها حجاب البدن دون الوجه، وعلى هذا الآثار وتفسيرات العلماء لآيات الجلباب والحجاب،.. وصفية أم المؤمنين اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم فجعلها في نسائه، وبه صارت حرة، وعليها الحجاب حينئذ، ولو أنه لم يفعل لكانت أمة، لا يجب عليها حجاب الوجه. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ