إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل أرسل رسول من البادية؟
المجيب
عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ الاحد 27 جمادى الأولى 1424 الموافق 27 يوليو 2003
السؤال

كيف نوفق بين قوله تعالى عن يعقوب –عليه السلام- وبنيه:"وجاء بكم من البدو" وبين قوله تعالى عن الرسل –عليهم السلام-:"إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى" فالآية الأولى تثبت أن بعض الأنبياء من البدو؟

الجواب

جواب العلماء على هاتين الآيتين بقولين:
القول الأول: أن قوله –تعالى-:"وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى" [يوسف: 109]على حقيقته، وأن الله حصر الرسالة في أهل المدن والحاضرة، دون أهل البادية والأعراب، وهذا ظاهر النص ولا ينتقل إلى غيره إلا بدليل.
وعلى هذا القول تحتمل هذه الآية أوجهاً تجمع معها الآية الأخرى محل السؤال، ومن هذه الأوجه:
الأول: أن يعقوب - عليه السلام- من الحضر ثم انتقل بعد ذلك إلى البادية وتحول إليها، ولم يكن قبل من أهلها، ويدل على ذلك حال والده إبراهيم –عليهما السلام-، وسكناه الشام، ويبدو أنه أصابهم فقر وجدب أو ضائقة ما فخرجوا من حاضرتهم، فقد قالوا:"يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر..."الآية [يوسف: 88].
الثاني: أن البدو الذي جاءوا منه مستند للحضر فهو في حكمه.
الثالث: أن المراد بالبدو نزول موضع اسمه بدا، وهو المذكور في قول جميل أو كثير:
وأنت الذي حببت شغباً إلى بدا **** إلي وأوطاني بلاد سواهما
حللت بهذا مرة ثم مــــرة **** بهذا فطاب الواديان كلاهما
وروي هذا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ولا يخفى بُعد القول، كما نبه عليه الألوسي والشنقيطي. انظر: (دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي في سورة يوسف).
الرابع: أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود، بل هو مستقر في منازل وربوع.
الخامس: أنه بدو بالنسبة لحاضرة مصر، كما القرية أحياناً للمدينة الكبيرة تبدو ليست بحاضرة. انظر: (المحرر الوجيز) لابن عطية.
القول الثاني: وذهب إليه ابن عاشور في (التحرير والتنوير): أن الآية لا تدل على الحصر، واستدل بالآية المسؤول عنها، ومثل بيعقوب – عليه السلام- وأنه من أهل البدو.
والقول الأول باحتمالاته: هو الراجح بأوجهه المحتملة وهو الذي عليه عامة المفسرين.
وتدل عليه النصوص الشرعية في ذم الأعراب، والتشبه بطبائعهم، ويؤيد ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم-:"لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء يسمونها العتمة لإعتام الإبل" رواه ابن حبان في صحيحه (1541) وأبو نعيم في المستخرج (1429) من حديث عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-
ولم يستحب الخروج في البادية والاستقرار مع الماشية والبحث عن الكلأ إلا عند الفتن، كما فعل أصحاب الكهف، وقال –صلى الله عليه وسلم-:"يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن" رواه البخاري (3300) من حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ