إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان خلق السماء
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاحد 17 صفر 1429 الموافق 24 فبراير 2008
السؤال

يقول تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات" من المعلوم علميًّا أن السماء خلقت قبل الأرض بخمسة ملايين سنة، هذه الآية استخدمها أحد الملحدين في أحد المنتديات في إثارته لشبهاته، بالإضافة إلى أحاديث نبوية منها حديث أن الشمس تسجد عند ساق العرش...
فأرجو منكم التفصيل في تفسير الآية وما تحمل... وهل الآية: "أَأَنْتُمْ أَشَدّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَال أَرْسَاهَا". التي تتعارض معها -في الظاهر- قد تفسرها أو تقيدها أو.. إلخ.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
شبهات في موضوع السماوات:
السؤال الأول: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة:29] وهنا نرى أن الله خلق ما في الأرض جميعا.. وكلمة جميعا تعنى أن الله خلق الأشجار والبحار والأنهار والجبال وكل ما في الأرض جميعا.... ثم استوى إلى السماء وسواها... ولكنة يقول في سورة النازعات: "أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" [النازعات:27-33]. ومن الآيات هنا نعرف أن الله سوى السماء الأول، وأصبح هناك ليل وضحى، ثم بعد ذلك دحا الأرض وخلق الماء والمرعى من الأرض وأرسى الجبال.... وهذا يناقض (البقرة 29) التي تقول إن الله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ (جَمِيعاً) أي بما فيها من ماء ومرعى وجبال قبل خلق السماء، ونجد في سورة فصلت: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصّلت:9-11]، فهنا الله خلق الأرض أولاً ووضع فيها الرواسي ثم سوى السماء.. بينما في النازعات يقول أن الله سوى السماء أولاً ثم جعل الرواسي في الأرض حيث قال: "وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا" [النزاعات:32]. السؤال هنا: هل الله خلق كل ما في الأرض جميعا من ماء ومرعى وجبال، ثم سوى السماء بحسب (البقرة 29)، أم أن الله سوى السماء أولا ثم خلق ما في الأرض من ماء ومرعى وجبال بحسب (النازعات27-31)؟، إن الماء والمرعى والجبال هل هي أشياء في الأرض أم لا؟ طبعا هي أشياء في الأرض... فبحسب البقرة (29) يكون الله قد خلقها أولاً؛ لأن الله خلق ما في الأرض جميعا ثم سوى السماء، لكن في النازعات نجد أن الله سوى السماء أولاً، ويقول كلمة (وبعد ذلك) (الأرض بعد ذلك) أخرج منها الماء والمرعى والجبال، هل تقدر أن تقول لي الأنهار خلقت قبل خلق السماء أم خلقت بعد خلق السماء؟، لو قرأت (البقرة 29) لا يساورك أدنى شك في أن الله خلق الأنهار أولاً قبل خلق السماء، لأن الأنهار هي شيء في الأرض، والله خلق أولا ما في الأرض جميعا... لكن في النازعات الله خلق السماء أولاً وبعد ذلك أخرج الماء أي الأنهار، وجعل المرعى وهو الشيء المعتمد على المياه. السؤال الثاني: الجبال التي هي الرواسي هل خلقها الله أولا قبل السماء "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا" (سورة فصلت) أم السماء كانت أولا قبل الجبال "وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا" [النازعات:32]، إن لم يكن هذا هو التناقض فماذا يكون التناقض!) "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً" [النساء:82] وهنا نجد مابين سورة البقرة و سورة النازعات اختلافا كثيراً.
السؤال الثالث: "وهو الذي خلق لكم ما في الأرض ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات" [البقرة 29]: "أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين.. ثم استوى إلى السماء وهي دخان.. فقضاهن سبع سموات في يومين" [فصلت 9-12]. ومن هذا نعرف أن الله خلق أرضاً واحدة وسبع سموات، ثم يناقض القرآن نفسه، ويذكر شيئاً غريباً نفاه العلم تماما "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير" [الطلاق:12] فمن العاقل الذي يصدق أن هناك سبع كرات أرضية بعد أن أقر القرآن سابقا أنها أرضاً واحدة وسبع سموات، وبعد عصر العلم والفضاء الذي صور كل شيء؟ فما هي السبع الأراضي هذه، وما مدى مشابهتهن للسبع سموات؟
السؤال الرابع: "قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين" [سورة فصلت:9-11]، فيفهم من آيات السورة هذه أن الله خلق الأرض أولا ثم السماء، مع أنه ورد في سورة النازعات "أم السماء بناها" [النازعات:27]. ثم في الآية "والأرض بعد ذلك دحاها" [النازعات:30]. وهنا نرى خلق السماء أولاً ثم الأرض ثانية "أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا" [النازعات:27-30]، فيفهم من آيات فصلت أن الله خلق الأرض أولا، ثم السماء بعد ذلك. أما آيات النازعات فترينا أن الله خلق السماء أولاً ثم الأرض ثانية.. "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [النازعات:27-30]، فسورة البقرة وسورة فصلت تذكران خلق الله للأرض أولا ثم السماء. بينما سورة النازعات تذكر خلق السماء أولا ثم الأرض وهذا هو التناقض.
السؤال الخامس: "أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين.. إلى أن قال وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين" وهذا يعنى أن الله خلق الأرض والسموات في ثمانية أيام، وأنه خلق السماء بعد الأرض لا قبلها.. ولكن في سبعة مواضع من القرآن يقول إنه خلقها في ستة أيام لا ثمانية. أما عن خلق السماء قبل الأرض فموجود في النازعات 27 - 33 "أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغشى ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها" أما آيات خلق الأرض في ستة أيام (الأعراف 52- يونس 2–هود 9–الفرقان 60–السجدة3).
السؤال السادس: سورة الأنبياء (21/30) تقول "السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما"، أي وحدة واحدة ثم تم فصلهما، بينما ذكرت سورة فصلت (41/9-11) خلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان (بخلاف الأرض) أي كانتا شيئين منفصلين فعلا.
لم يكن لبشر عصر التنزيل أن يدرك فصول قصة الخلق على النحو الذي انتهى إليه اليوم علم الكون Cosmology، فالكون الممكن الإدراك ليس أزليًّا وعمره لا يتجاوز: 12.5 (10 – 15) بليون سنة وقبله عدم، فلا بد إذن من مُبدع مُقتدر أوجده؛ وإلا فكيف!، ولم تكن الأرض كيانًا مستقلا عندما انتظمت لبنات الكون في طبقات وبزغ فيها ضوء الشمس والنجوم وتميزت الأرض، وقبل الشمس والنجوم لم يكن سوى ظلام حالك كما هو الليل بعدما اضمحل تركيز طاقة مادة البناء مع التوسع، وليس الجو سوى انبعاث دخاني من الأرض الأولية الملتهبة تميز مع الوقت إلى طبقات تعلونا لكل منها اليوم وظيفة محددة؛ سماوات إذن تسبق الأرض وأخرى تليها في النشأة كما في النظم تطابق الكشوف وتؤيدها منظومة من أنباء الوحي تفيض بالتفاصيل.
يقول المُبدع القدير العليم وحده بكل شيء: "أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ" [النازعات:27-33]، والتعبير (رفع سمكها) يوافق ما تأكد اليوم من توسع الكون في البدء، والفعل (بناها) بصيغة الماضي تعبير تصويري بالمثل يعلن اكتمال خلق الكون، ويقصر التوسع على فترة البناء تمثيلا ببناء بيت في أيام متتابعة ذات مراحل متوالية مقدرة منذ البدء، والضمير في (ليلها) عائد على السماء يكشف العلم بظلمتها الحالكة فوق جو الأرض تشبيها بالليل والفعل (أغطش) تأكيد لجعله حالكا مع التوسع واضمحلال تركيز طاقة مادة البناء، والتعبير (أخرج ضحاها) تمثيل بالسطوع التدريجي للشمس فترة الضحى تعبيرًا عن تميز الأجرام مع الانبعاث التدريجي لطاقات الشمس والنجوم ذاتيًّا دون جرمي الأرض والقمر المسكوت عنهما لفظًا، و(الدحو) يناظر علميًّا فترة التسطيح في تاريخ الأرض، ويتفق مع المعلوم حاليا أن عمر سطحها لا يكاد يبلغ 4.5 بليون سنة، وأما التعبير (بعد ذلك) فهو قرينة قاطعة بتعلق المقام بحقيقة ترتيب أحداث نشأة الكون، والتي توافق اليوم أوثق معطيات العلم، فقد استقر أن الأرض كانت كتلة شبه متجانسة بلا ملامح ومع الحرارة والثوران نزل الحديد إلى اللب، وخرجت المواد الأخف لتكون السطح قِطَعًا تميد حتى أرستها الجبال تحت حجب الدخان وأبخرة الماء تمهيدا لنشأة الإنسان وحيوانات الرعي من بعد، أليس هذا الوصف هو نفس المضمون في قوله تعالى: "أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ"!، وفي مقام الخلق تسبق السماوات الأرض؛ وكذلك أيضا ما لم يكن نصًّا في الخلق ولكنه تضمن معنى التتابع كقوله تعالى: "إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ" [الأحزاب 72]، كانت معرفة الله تعالى إذن وعبادته هي المقصد على طول فصول قصة الخلق بإيجاد الإنسان المؤهل وحده بملكات الفكر والاستنباط والعلم.

ولكن اتهام الكتاب العزيز بما يُسِيء الطاعنون فهمه يفضح جهلهم؛ يتلمسون ما يظنوه نقيصة غابت عن أوائل المكابرين سادة البيان الذين تخفوا ليسمعوه فيخلطون بين ما هو في مقام ترتيب أحداث الخلق وما هو في مقام النظر والتساؤل: "كيف بدأ الخلق!"؛ استدلالا على قدرة الخالق وبديع صنعه وعلمه، دعنا إذن نتأمل مشهدًا طالما ألفته العيون زمن التنزيل ونطالع من موقع راكب استراح بجانب دابته، وأخذ يتأمل ما حوله في صفاء الصحراء ويَتَفَكَّر: كم هو مديد عنق ناقته يعلو على الشمس؛ دونه السماء المتسعة الأرجاء تعلو الجبال الشوامخ فوق سطح الأرض، أليس هذا هو نفس الترتيب في قول المُبدع المُقتدر: "أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَىَ الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ" [الغاشية:17-20]، ولا يدع النظم الفريد مظهرًا من الخلق حجبه الإلف عن التأمل إلا ويكشف فصولا من قصة الخلق ويستثير الفكر يدعوه إلى التأمل: كيف بدأ كل هذا بغير خالق مُبدع!؛ في البدء لم تكن إبل فكيف وُجِدَت وتكيفت بقدرات مُقَدَّرَة موروثة قبل مولدها لم تكتسبها بالمعيشة في الصحراء وبدونها لا تُلقَّب بسفينة الصحراء!، وهذه السماء التي تبدو مرفوعة فوقنا لم يكن لها وجود كيف امتدت وتوسعت وتميزت ورُفِعَت!، وهذه الجبال لم تكن من قبل فكيف ارتفعت ونُصِبَت!، وهذه الأرض لم تكن ذات سطح فكيف سُطِحَت!، أليست تلك الدلالات الباهرة هي نفسها مآثر عصر الكشوف العلمية اليوم!.
وفي قوله تعالى: "اللّهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ يَتَنَزّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنّ لّتَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمَا" [الطلاق:12]؛ بيان في مقام الخلق لكل شيء محسوس بالنسبة لمن علي البسيطة، قال الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ (رحمه الله تعالى) في تفسيره (ج1ص385): "قد عدَّ الله تعالى السماوات سبعًا وهو أعلم بها وبالمراد منها، إلا أن الظاهر الذي دلت عليه القواعد العلمية أن المراد من السماوات (آفاق) الأجرام العلوية العظيمة.. ويدل على ذلك أمور: أحدها أن السماوات ذكرت في غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض.. فدل على أنها عوالم كالعالم الأرضي.. ثانيها أنها ذكرت مع الأرض من حيث أنها أدلة على بديع صنع الله تعالى فناسب أن يكون تفسيرها (آفاق) تلك الأجرام المشاهدة"، وبالفعل تنتظم حشود النجوم في آفاق متوالية دون أقصى ما يمكن أن يبلغه نظر باستخدام المراصد الراديوية والمسمى أشباه النجوم Quasars، فتنتمي مجموعتنا الشمسية إلى مجموعة نجومية محلية تتبع حشدًا نجوميًّا أكبر Super-Cluster يتبع مجرتنا التي تتبع بدورها مجموعة مجرية محلية تتكون مما يربو على 30 مجرة تتبع حشدًا مجريًّا أكبر، وبخلاف ورود لفظ السماء في الكتاب العزيز بالجمع والإفراد لا يَرِد لفظ (الأرض) دالا على الكوكب إلا بالإفراد لأنه منسوب للمخاطبين، ولا مُستند على ورود لفظ (الأرض) بالجمع إلا الروايات مثل ما رواه الشيخان، وحمله البعض على طبقات الأرض: (من ظلم قدر شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين)، قال الشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ (يرحمهم الله تعالى جميعا) في تفسيره (ج1 ص95): "قال الداودي: إن الأرض سبع، ولكن لم يُفتق بعضها من بعض، والصحيح أنها سبع كالسموات".
وقوله تعالى: "خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ"؛ أي خلق من الأرض سبع سماوات (مِثْلَهُنّ) تليها في النشأة وتتبعها في النظم، ولا تأبى الأداة (من) في مقام يفيد التتابع حملها على الابتداء فتعني تميز سماوات عُليا قبل تميز الأرض، ثم تكون سماء دنيا من الأرض تُحيط بها تميزت بالمثل إلى آفاق، فلا يستقيم عود ضمير (مِثْلَهُنّ) إلا على (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) لأنه لا يستقيم عوده إلا على جمع مؤنث والعدد (سبع) وحده بغير ما يُميزه مُذَكَّر ولم يُذكر جمع مؤنث إلا السبع سماوات، ولا يفوتك أن اللفظ (بَيْنَهُنّ) عائد كذلك على نفس الموصوف وهو بالمثل جمع مؤنث لا يستقيم عوده إلا على سماوات الكون تلك، وبذلك تكون السماوات التي تتبع الأرض كالسماوات التي تسبقها في طبقية التكوين والعلو بالنسبة لمن هو على سطح الأرض، قال الطاهر بن عاشور (رحمه الله تعالى) في تفسيره (ج1ص223): "والسماء إن أريد بها (آفاق) الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها وإن أريد بها (أفاق) الكواكب العلوية.. فالكواكب أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا"، ولك إذن أن تُطالع الكتاب العزيز فلا تجد نصًّا واحدًا في مقام الخلق يتخلف عن ذلك الترتيب المطابق للواقع في النظم؛ لا فارق بين نبأ يتعلق بنشأة الكون كله وآخر اكتفى بتفصيل أحداث نشأة الأرض وما يتبعها ويلازمها من آفاق الجو، ولك أن تعجب: كيف مَيَّز الكتاب العزيز الجو عن آفاق الأجرام وكشف تكوينه الطبقي!، وكيف سبق كل علوم الأرض وكشف أصله الأرضي!.
وفي قوله تعالى: "تَنزِيلاً مّمّنْ خَلَق الأرْضَ وَالسّمَاوَاتِ الْعُلَى. الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ. لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرَىَ" [طه:4-6]؛ لفظ (الْعُلَى) جمع العليا تأنيث (الأعلى) فأفاد وجود غيرها تماثلها في طبقية التكوين والعلو، وهو ما يتفق مع تشكل الفضاء إلى طبقات تُميزها بروج الأجرام وتشكل الجو بالمثل إلى طبقات، وفي قوله تعالى: "إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" [الصافات:6]؛ لفظ (الدنيا) تأنيث (الأدنى) وهو من (الدنو) بمعنى القرب أو من الدناءة والسفلية فتعني أنها الأسفل بالنسبة لغيرها، ولذا يدل تعبير (السماء الدنيا) هنا على الطبقة الأسفل من آفاق الأجرام، وفي الآفاق الأقرب تتوهَّج الشهب في الجو كالمصابيح كما في قوله تعالى: "وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ" [فصلت:12]، وهي تمثل خطراً على كل عابر كما في قوله تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ" [الملك:5]، وبهذا يُمكن حمل تعبير (السماء الدنيا) على الجو عند الإطلاق وعلى الأفق الأدنى من آفاق الأجرام عند التخصيص بالكواكب، قال الألوسي في تفسيره (ج9 ص466): "وإطلاق النجوم على الرجوم.. يُحتمل أن يكون مبنيًّا على الظاهر للرائي كما في قوله تعالى في الشمس: "تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، وهذه الشهب ليست هي الثوابت وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها بل هي جنس آخر..، ولا يأباه قوله تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَاءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ"؛ حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها.. (و) كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض.. والشهب من هذا القسم وحينئذ يزول الإشكال".
والأصل حمل العدد على ظاهره خاصة في مقام يقتضي التحديد مثل أحكام الإرث، ولكن العدد (سبع) ومضاعفاته يختص في العربية بإمكان الدلالة تمثيلا على التعدد والتكثير نحو قوله تعالى: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ" [التوبة:80]، قال الشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ (رحمه الله تعالى) في تفسيره (ج2ص562): "ليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولا كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير"، ومع ذلك يتفق تسبيع الكون مع لبنات التكوين من بروج الأجرام السماوية ويمكن أيضا تقسيم طبقات الغلاف الجوي إلى أربع طبقات رئيسة بينهن ثلاث طبقات بينية متميزة.
وفي جملة مواضع يقرر القرآن الكريم أن خلق العالم قد تم (فِي سِتّةِ أَيّامٍ) في عملية واحدة متصلة ذات مراحل كما لو كان بناءً واحداً تتابع تشييد خطة تصميمه المقدرة منذ البدء (الأعراف 54، ويونس 3، وهود 7، والفرقان 59، والسجدة 4، وسورة ق38، والحديد4)، وإذا اعتمدنا نفس التمثيل واعتبرنا عمر الكون حتى الاكتمال ستة أيام يكون نصيب الأرض وحدها منذ تشكلها مع المجرة إلى الاكتمال أربعة أيام، وإذا تميزت الأرض كجرم مستقل في يومين لا يبقى للجو إلا يومان مع تشكل السطح الصخري ونشأة الحياة، وهو نفس التمثيل في قوله تعالى: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ" [فصلت:9-10]، وإذا كانت النشأة الحقيقية للأرض كنظام حركي ترجع إلى حوالي 8.4 بليون سنة قبل أن تعمر بالنبات الذي بدأ يطلق أكسجين الجو منذ حوالي 0.25 بليون سنة علامة على تكامل البناء؛ يكون عمر الكون الفعلي في التمثيل بنفس القيمة المعروفة الآن: 12.5 (10-15) بليون سنة (الكون لستيفن هاوكنج ص55، والانفجار الكبير لسيلك ص75).

وفي قوله تعالى: "إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَات وَالأرْضَ" [التوبة:36]؛ يستقيم حمل التعبير (يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَات وَالأرْضَ) على تكامل الخلق، أي منذ حوالي 0.25 بليون سنة حيث كانت السنة في تقدير الخالق عز وجل (اثْنَا عَشَرَ شَهْراً)، ونظير الستة أيام تمثيلا يتأكد أن عمر الكون بنفس القيمة المعروفة الآن.

وهكذا يَمْضِي بك التمثيل في الكتاب العزيز كاشفًا بالتصوير كأبلغ وسيلة للإيضاح خفايا التكوين التي لم يُدركها بشر إلا بعد توفر الوسائل والتقنيات في رائعة تهز الوجدان وتأخذ بالألباب: "قُلْ أَإِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فيها أَقْوَاتَهَا فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ. ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ. فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىَ فِي كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصلت:9-12]، قال السمعاني في تفسيره (ج5ص42): "قوله: (فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ) أي في تمام أربعة أيام.. وهذا كالرجل يقول: ذهبت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وذهبت من بغداد إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً؛ أي في تمام خمسة عشر يومًا (أي أن مدة السفر من بغداد إلى الكوفة استغرقت خمسة أيام)..، هذا كلام العرب، ومن طعن فيه لم يعرف كلام العرب"، وقد أورد الأعلام أن السماء التي تشكلت إلى طبقات بعد تشكيل الأرض هي دخان خرج منها عند تكونها فشكل الجو؛ يعني في آخر يومين من الأربعة وهو ما يوافق المعرفة أنها كانت ملتهبة؛ نقل الماوردي في تفسيره (ج1ص92) أنه: "الدخان الذي جعله الله للأرض سماء"، ففسروا قوله تعالى: "ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ" بقوله تعالى: "ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ"، وكليهما في النظم وارد بعد تشكل الأرض بغير سطح ولا جو، وقوله تعالى: "ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ"؛ ليس معناه ببعيد عن معنى قوله تعالى: "أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا"، والملازمة تعني سبق التبدد في التمثيل: "قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ"، وهي نفس الملازمة في الوصف: "وَجَعَلْنَا السّمَآءَ سَقْفاً مّحْفُوظاً" [الأنبياء:32]، والإتيان قرين الحركة، ولك أن تتساءل مُتَعَجِّبًا: من أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن السقف المحفوظ المصاحب للأرض في سيرها مكون من طبقات مُمَيَّزَة الوظائف بخلاف التبدد عند التكوين!، ومن أعلمه غير المُبدع القدير وحده بتكونه من دخان الأرض الملتهبة المتصاعد عند التكوين!.

فالعالم المُمكن الإدراك إذن بالنسبة للمخاطبين في وصف القرآن الكريم هو (السماء والأرض) و(ما بينهما) من آفاق الجو المُمَيَّز بالرياح والسحاب وفق نظام يشمل الكوكب كله يشهد بتدبير لا تصنعه مصادفة يُعلنه قول المبدع القدير: "وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [البقرة:164]، والاكتفاء بالتعبير عن الكون بلفظ (السماء) جمعًا أو إفرادًا مع (الأرض) بنفس الترتيب في النظم، وبغير التعبير (ما بينهما) بعد لفظ (الأرض) ضميمة تُرجع الجو في الأصل إلى كوكب الأرض وتجعله تابعًا لها في الخلق، ويؤيده البيان أن الإنسان وإن كان على سطحها هو (فِي الأرْضِ) باعتبار أن غلافها الجوي فوقه تابع لها ولاحق بها نحو قوله تعالى: "قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ وَمَتَاعٌ إِلَىَ حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" [الأعراف:24-25]، وآفاق الجو لا تُمَيَِزها العين فساغ عودة ضمير الجمع المؤنث (فَقَضَاهُنّ) على غير مذكور سابق في قوله تعالى: (فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)، ومثله ضمير (فَسَوّاهُنّ) في قوله تعالى: "هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة:29]، وهكذا لو تأملت نصوص الكتاب العزيز المتعلقة بخلق العالم فستجد كل الأحداث مُرتبة بنفس الترتيب الذي كشفه العلم بعد عصر الوحي بأكثر من عشرة قرون، وما أجمله موضع فَصَّلَهُ آخر مما يدفع أي احتمال أن يكون القرآن صنعةً بشريةً، يقول العلي القدير: "بَلْ كَذّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذّبَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظّالِمِينَ" [يونس 39].


إرسال إلى صديق طباعة حفظ