إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان معارضة الحديث للواقع
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 04 ربيع الأول 1429 الموافق 12 مارس 2008
السؤال

سمعت أننا يجب أن نؤمن بكل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح، وليس في هذا مشكلة على العموم.
وعلى الأخص بالنسبة للقرآن (مع أن موضوع يأجوج ومأجوج يحيرني). لكن بالنسبة للحديث فتراودني فيه الشكوك.
فمثلاً حديث تناقص الخلق من آدم عليه السلام، لكننا تعلمنا في المدرسة خلاف ذلك، وهو أن البشر ينمون بتحسن التغذية، وهو ما يشعر بالصواب.
والحديث الآخر عن الماء الذي يخرج من المرأة فيؤثر في المولود وهو ما لا يشعرني بالتوثيق. وأنا لا أنكر هذه الأحاديث تكذيباً لإسنادها، لكن متونها تخالف الحقائق المعروفة.
فلماذا لا يجوز لنا رفض حديث صحيح إذا كان مخالفاً للواقع المحسوس؟
وهل يجوز أن نصف مثل هذه الأحاديث بأنها مثل ما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- عن نفسه "أنتم أعلم بأمور دنياكم" حين تكلم عن النخيل؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ البريّة، والصلاة والسلام على هادي البشريّة، وعلى أزواجه والذريّة. أما بعد:
فأقول وبالله التوفيق: إن ممّا ينبغي على المسلمين أن يؤمنوا به أن الله -عز وجل- قد حفظ هذا الدين من الضياع: سواء ضياع الزيادة عليه، أو ضياع النقص منه. فقد حفظ الله تعالى دين الإسلام من هذين الضياعين. ولا شك أن الإسلام يقوم على مصدرين أساسيين، هما: القرآن، والسنة النبوية. وما داما هما مصدرا هذا الدين، فلن يتمّ حفظه إلا بحفظهما.
ولذلك كان قول الله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" يتضمّن حفظ القرآن والسنة؛ لأن المقصود من حفظ القرآن حفظ الدين، والدين لا يُحفظ: إلا ببيانه من السنة النبوية، بالمصدر الثاني للدين وهو هي.
ولحفظ السنة أدلة عديدةٌ من القرآن الكريم، ومن الواقع العلمي، والتاريخي لعلوم السنة النبوية، وقد ذكرتُها في أجوبة عديدة.
وهذا الحفظ (والذي يؤمن به السائل كما يتضح من فاتحة سؤاله، والذي لا يصح إسلامه إلا به) لا يتم ولا يحصل مع اختلاط ثابت السنة وصحيحها، بباطلها وضعيفها؛ لأنّ اختلاط وعدَمَ تميُّز ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- بما لم يَقُلْهُ يُفقد الثقة بالسنة جميعها؛ بأن يتطرّق احتمالُ عدم الثبوت، وخطأِ نسبة الحديث إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- في كل حديث من الأحاديث المنسوبة إليه –صلى الله عليه وسلم-. ومثل هذا الاختلاط الذي أدّى إلى تطرق ذلك الاحتمال في كل حديث، يعني ضياع السنة الضياعَ كُلّه؛ إذْ كل حديث يمكن أن يكون مُتَقَوَّلاً على النبي –صلى الله عليه وسلم-، بناءً على ذلك الاحتمال. وأي ضياع أعظم من هذا الضياع؟! وكيف نجمع بين ذلك، وبين إيماننا بحفظ الله تعالى الدين، ما دامت السنة هي مصدره مع القرآن الكريم!!
إذن فاعتقاد اختلاط الصحيح بالضعيف، والثابت بالباطل من المرويّ عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، وعدم وجود طريقةٍ للتمييز بين الصِّنفين (الصحيح الثابتِ، والضعيفِ الباطل) لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان بحفظ الله تعالى لدينه الذي لا دين له سواه، وهو: الإسلام. وما دام ذلك الاعتقاد قد لزم منه باطل، فلابد أن يكون هو أيضاً باطلاً. وما دام اعتقادُ اختلاط الصحيح والضعيف، وعدم التمييز بينهما اعتقادًا باطلاً، فسيكون الحق بخلاف هذا الباطل وعلى الضدّ منه.
ولكننا جميعاً نعلم أن هناك أحاديث صحيحة، وهناك أحاديث ضعيفة، وأنّ التمييز بينها لا يدركه أكثر الناس؛ فما جواب هذا الإشكال؟!
جوابه: أن هناك علماء في الأمة عُرفوا بالعناية بهذا الأمر العظيم، وأنهم منذ وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم-، إلى زمن تدوين السنّة في مصنفاته الشهيرة، وإلى يوم الناس هذا، =قد صرفوا جهدهم كُلّه في حماية السنّة من هذا الوجه من الضياع، وهو ضياعُ عدم التمييز بين الثابت وغيره. ونشأت لذلك علوم السنة النبوية. وهي العلوم التي لا يوجد في تاريخ البشرية علومٌ تضاهيها في نقد المرويّات والأخبار، بل لا يوجد ما يقاربها، أو يدنو من مقاربتها. وهذا كله حقٌّ لا مرية فيه. وشاهدُ الوجود أكبر شاهدٍ عليه، والتحدّي بإيجاد ما يردّه في التاريخ العلمي للبشريّة تحد باقٍ؛ ليدل على اليقين بأنه الحق الذي لا مرية فيه (كما سبق).
بل ما سبق ذكره من كون اعتقاد حصول الخلط، وعدم التمييز بين الصحيح والضعيف اعتقادًا باطلاً، مع كون حصول الاختلاط بين الصحيح والضعيف واقعًا مشاهدًا، مع كون التمييز بين صِنْفَي المرويات هذين ليس من مقدور أكثر الناس= ذلك كله يُلزِم أن تكون هناك وسيلة للتمييز بين الصحيح والضعيف. ولا وجود لهذه الوسيلة يُشْتبهُ أن تكون هي القادرة على ذلك التمييز الواجب الحصول (لضمان حفظ الدين)؛ إلا في علوم السنة التي أنشأها، وأبدعها، وأتمّها علماء السنّة النبوية.
ومن ثم: تكون علوم السنة هي الوسيلة الصحيحة للتمييز بين الثابت، وغير الثابت من الأخبار المروية عن النبي –صلى الله عليه وسلم-. ولا وسيلة سواها موجودةً يمكن أن يُشْتبه في كونها منافسة لها في تحقيق هذا الهدف الكبير؛ فلا توجد إلا هي، ولا يوجد سواها أصلاً: لا وسيلة يدعى أنها صحيحة، ولا باطلة!!
ومن ثَمَّ أيضًا: يكون العلماء المعروفون بالتخصّص في علوم السنّة هذه هم المرجع في حصول ذلك الواجب الحصول؛ ألاَ هو: التمييز بين الصحيح والسقيم. ولا يزاحمهم على هذه المرجعيّة إلا أقرانهم من أصحاب التخصص في علوم السنة، فلا يزاحمهم في الحقيقة أحد سواهم.
وبذلك قد خرجنا بتقرير صحيح، اسْتَدلَلْنا عليه بأدلّة عقليّة وشرعيّة يقينيّة الدلالة: أن علوم السنة قادرةٌ على تمييز الصحيح من السقيم، وأنها هي العلوم الوحيدة القادرة على ذلك. وبالتالي: فإن العلماء بهذه العلوم (وهم علماء السنة) هم وحدهم القادرون على تمييز صحيح السنة من سقيهما، وهم دونما أحد سواهم الذين حفظ الله تعالى بهم السنة من الضياع. وبهم امتاز صحيحُ السنة من سقيهما. فرحم الله أولئك العلماء، وجزاهم الله عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- وعن دين الإسلام خير الجزاء.
وهذا التقرير الصحيح يلزم منه تقرير آخر؛ وهو أنّ منهج المحدّثين (الذين هم علماء السنة) منهجٌ كاملٌ في نَقْد السنّة، ولا يمكن أن يتطرّق إليه الخلل؛ لأن اعتقاد خلاف ذلك يعود على تقريرنا اليقينيّ السابق بالنقض. إذ كيف تكون علوم السنة قادرةً على تمييز الصحيح من السقيم لو كانت علومًا ناقصةً، أو يتطرّق إليها الخلل؟!
نعم.. الخلل يتطرّق إلى علم العالم، لا إلى العلم نفسه. فالعالم بالسنة قد يخطئ، ولذلك اختلف علماء السنة في بعض الأحاديث. كما يختلف أصحاب جميع العلوم، فكما يخطئّ الحَسّابُ أو المهندسُ، فيخالف غيره، مع أن علم الحساب والهندسة علمان لا يتطرّق إلى منهجهما الخطأ، كذلك يختلف المحدّثون أحيانًا.
فإذا قلنا بعد ذلك: إن كل منهج صحيح لنقد الأخبار يخطر على بال أحد لابُدّ أن المحدّثين أعرف به (إذا كان صحيحًا)= يكون هذا القول حقًّا ولا شك؛ لأنه إن كان منهجًا صحيحًا، وإن كان منهج المحدثين في النقد كاملاً، فلابُدّ إذن أن يكون هذا المنهجُ المقترح أحدَ تفاصيل منهج المحدّثين.
أقول ذلك؛ لكي أطمئن أخي السائل بأن معارضة الحس والواقع المعارضة الحقيقية، ما دامت دليلاً صحيحاً على عدم صحّة الخبر المنقول عن النبيّ –صلى الله عليه وسلم- وهي كذلك ولا شك؛ فإن المحدّثين أدرى بها وأعرف، ولم يكونوا غافلين عنها، ولم يكونوا ليقبلوا حديثًا وهو معارض للحس معارضة حقيقيةً.
وحتى يعلم السائل المبارك وغيره من المسلمين علم اليقين أن المحدّثين لا يمكن أن يُغْفِلوا هذا النقد، سأذكر له دليلاً من كلام المحدثين، يدل على أنّ معارضة الحس أحد أدوات نقدهم، وأنهم كانوا على إدراك بعظيم أهمّيته في التمييز بين الصحيح والسقيم.
فلما رُوي عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "قُدِّس العَدَسُ على لسان سبعين نبيًّا"، اتفق العلماء على كذبه، ووضعه على النبي –صلى الله عليه وسلم- وقال الإمام عبد الله بن المبارك (ت181هـ) عن هذا الحديث: "لا، ولا على لسان نبيّ واحد، إنه لمؤذٍ مُنْفِخٌ"، وقال ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) عن روايتين لهذا الحديث: "هذان حديثان موضوعان، كافأ الله من وضعهما [أي بالعقوبة]، فإنه قَصَدَ شين الشريعة والتلاعب؛ فإن العدس من أَرْدَأ المأكولات. فإذا سمع من ليس من أهل شرعنا هذا نَسَبَ نبيّنا –صلى الله عليه وسلم- إلى غير الحكمة".
فانظر: أحوال الرجال للجوزجاني (رقم 385)، والكامل لابن عدي (6/326)، وشعب الإيمان للبيهقي (رقم 5549)، والموضوعات لابن الجوزي (رقم 1325، 1326).
وقد نصّ ابن قيّم الجوزية (ت751هـ) على هذا المنهج النقدي، وهو معارضة الحس، في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف، فقال فيه: "ونحن نُنبّهُ على أمور كُليّة، يُعرفُ بها كون الحديث موضوعاً... ومنها: تكذيبُ الحس له، كحديث (الباذنجان لما أكل له) (والباذنجان شفاء من كل داء). قبّح الله واضعهما؛ فإن هذا لو قاله يوحنس -أمهرُ الأطبّاء- لسخر الناسُ منه. ولو أُكِل الباذنجان للحُمّى والسوداء الغالبة، وكثيرٍ من الأمراض لم يزدها إلا شدّه. ولو أكله فقيرٌ ليستغني لم يُفدْهُ الغنى. أو جاهلٌ ليتعّلم لم يفده العلم". (المنار المنيف:50-51).
وبذلك نجيب على تساؤل السائل، عندما قال: "فلماذا لا يجوز لنا رفض حديث صحيح إذا كان مخالفًا للواقع المحسوس" بأن نقول له: لا يكون الحديث صحيحًا أصلاً عند المحدثين إذا كان مخالفًا للواقع المُحَسّ.
فسؤالك خطأ من أساسه، ولا عليك أن تخطئ ما دمت حريصاً على السؤال والاستفاده، جزاك الله خيرًا؛ لأن المحدثين إذا صحّحوا الحديث، لابُدّ أن يكون عندهم غير مخالفٍ للواقع، وهذا أحد شروط القبول عندهم، وهو داخلٌ ضمن اشتراطهم انتفاء الشذوذ والعلّة الخفيّة القادحة.
وبناءً على ذلك، ينبغي على المسلمين جميعاً أن يعلموا أن علماء السنة لم يُغفلوا منهجاً صحيحًا لنقد المرويّات، وأنه ليس عليهم اقتراحُ مناهج للنقد على أهل الاختصاص؛ لأنه إن كان اقتراحهم صحيحًا فأهل الاختصاص أدرى به، وإن كان أهل الاختصاص لا يعرفون ذلك المنهج، فإنه سيكون اقتراحاً خاطئًا لا خير فيه. وينبغي عليهم إذا بدا لأحدهم أي إشكال حول نصٍّ من نصوص الوحي (قرآنًا أو سنّة) أن لا يجتهد هو فيه، ولكن عليه أن يسأل العلماء بنصوص الوحي، كما يفعل الناس جميعهم مع جميع العلوم، بسؤال أهل الاختصاص فيها، والتسليم لهم، دون منازعةٍ لهم بغير علم. وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك، فقال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". فجعل الله تعالى الناس قسمين: أهل الذكر وواجبهم البيان. ومن ليسوا بأهل الذكر، وواجبهم سؤال أهله، ولم يُجَوِّز لهم الرجوع إلى الذكر مباشرة ما داموا ليسوا من أهله. وهذا ما فعله السائل، -وفقه الله تعالى- ولكي أبيّنَ للسائل (وفقه الله تعالى) صحّة منهج المحدّثين، وأنه كافٍ لتمييز الصحيح الثابت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- من غير الثابت عنه. ولكي أبيّنَ له أن عدمَ مُناقضة الخبر للحس شرطٌ للحكم على الحديث بالصحّة عندهم= فسوف أجيبُ على الحديثين اللذين استشكلهما السائل.
الحديث الأول: حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: "خلق الله -عز وجل- آدمَ على صورته، طوله ستّون ذراعًا...) إلى أن قال: (فلم يزل الخَلْقُ يَنْقُصُ بعده حتى الآن" أخرجه البخاري رقم (3326)، ومسلم رقم (2841).
فالحديث صحيح لا شك في صحّته، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله حقاً.
وعارضه السائل بما تعلّمه من أن البشر تحسّنت حالتهم بتحسّن تغذيتهم. وما داموا في العصر الحديث أحسنَ غذاءً، فينبغي أن يكونوا أحسنَ خَلْقًا.
فأوّلاً: هل هذا الذي ذكره السائل يعارض ما جاء في الحديث معارضةً حقيقيّة؟
إن وجوه التوفيق بين الحديث وبين المعلومة التي ذكرها السائل عديدة، لو لم يكن منها إلا الأمرين التاليين لكفيانا:
الأول: أن آدم –عليه السلام- ليس نتاج تغذية أصلاً، بل هو خلق الله تعالى، خلقه من تراب، ثم قال له: كن، فكان. ثم إن الله أودعه الجنّة، كما قال تعالى: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا" [البقرة:35]. وقال تعالى: " إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى" [طه:118-119]. وحُقّ لمن خُلق ذلك الخَلْق الشريف، وكُرّمَ ذلك التكريم المنيف، وكانت الجنة مأواه، وكان طعامُها وشرابها وهواؤها ومكانها متقلَّبه ومثواه، ثم إنه عوقب بالهبوط إلى الأرض، واستبدل بالجنة وطعامها هذه الأرضَ وخَشَاشَها = أن يتناقص خَلْقُ ذُريّته بالتدريج، فما كان فيه من الخيرات والبركات في الجنّة، لا يُقاربه، ولا وهو من جنسه ما هو على هذه الأرض.
فتناقص الخلق على هذا يوافق العلم الحديث الذي أشار إليه السائل، ولا يعارضه، بل لو قيل إنه سَبْقٌ علميٌّ للسنّة، لكان هذا أقرب إلى الصواب من أن يكون مخالفةً علميَّةً.
الثاني: أن الاتجاه العلمي الذي بدأ يسود الآن، هو أن الرجوع إلى الحياة الفطريّة القديمة في المأكل والملبس وأسلوب المعيشة، وفي الزراعة، وتربية المواشي، والدواجن= هو الأسلوب الأمثل لصحّة الإنسان. وهذا يعني أنّ ما نحن عليه سوف يؤدّي إلى ضعف الإنسان أكثر، إذا استمّرت البشرية في أسلوبها العصري المبني على المبالغة في الترفُّه، وعلى التدخّل في قوانين الطبيعة، وسُنَن الخليقة التي سنّها البارئ سبحانه، بمثل التلاعب بالجينات والتلقيح الصناعي والتغذية الكيماويّة... وغير ذلك من آفات الحضارة المعاصرة، التي ثبتت أضرارها الصحيّة على بني البشر، وعلى أجوائهم، وعلى أرضهم.
إذن اعتقاد السائل أن بني البشر اليوم بتحسن الغذاء خير منهم في العصور السابقة خطأ، وهو خطأٌ من جهتين: الجهة الأولى هي السابقة. والجهة الثانية: هو أن الحديث يتحدّث عن أبي البشر آدم –عليه السلام- وعن عصور سحيقةٍ في التاريخ البشري، لا عن جيل أو جيلين من البشر. فمن الخطأ العلميِّ البيِّن الخلطُ بين الأمرين، وعقد موازنة بين: تطوُّر الخلق الذي يمرُّ كل طورٍ منها بأحقابٍ عديدة، والاختلافِ السريع الذي يحصلُ لجيل أو جيلين لاختلافِ نمطِ الحياة، أو مستوى المعيشة. فالمعياران هنا مختلفان تمامًا، فلا يصح الحديث عنهما على أنهما نمطٌ واحد، ومسألة واحدة.
وثانياً: إن العلم الحديث، وعلم الحفريّات خاصة قد جاء بما يؤكد صحّة هذا الحديث (عند من كان عنده شك في صحّته)!
وذلك أن الأرض كانت تحوي مخلوقات ضخمة كالديناصورات، والماموث (الفيل الضخم) وغيرها، وهي الآن منقرضة. مما يدل على أن طبيعة الأرض كانت تسمح بحياة تلك الأحياء العملاقة، وأنها تغيّرت بالتدريج إلى أن انقرضت تلك الأحياء، وتضاءل حَجْمُ بعضها. وإن كان بعض تلك الأحياء يزعم علماء الحفرّيات أنها سبقت الوجود الإنساني، فإن صَدّقهم أحد في ذلك، فليس هذا بناقضٍ الاستدلال على أنّ الأرض كانت تستضيفُ أحياءً ضخمة، ثم ضاقت عليهم بتغيّر مناخها، وما يتبعه من تغيّرات. مما يدل على أن التناقُضَ في الخلق قد ساعدت عليه تغيّرات الأرض، حتى حسب نظريّات العلم الحديث.
وهذا مثالٌ على تَعَجُّلِ الناس في ردّ حديث من السُّنة الثابتة، لظنّهم مخالفته للعلم أو للحسِّ، والواقع أنهم هم الذين غابت عنهم حقيقة ما دلّ عليه العلم الحديث، وأنهم هم الذين ظنّوا الحسَّ معارضًا للحديث، والواقع أنه لا يعارضه، بل ربما كان يؤيده.
والحديث الثاني له روايات عِدّة، منها: حديث ثوبان –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا (بإذن الله). وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل أنثا (بإذن الله)". أخرجه مسلم رقم (351).
وحديث ابن عباس –رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: "يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت". أخرجه الإمام أحمد رقم (2515،2514،2483)، والترمذي مختصرًا ليس فيه موطن الشاهد، وقال: "حسن غريب" رقم (3117)، والنسائي في الكبرى رقم (9024)، والطبراني رقم (12429)، وإسنادهم حسن، وقد صحّحه الضياء في المختارة (10/67-70). وأخرجه الطيالسي في مسنده رقم (2854) بلفظ "هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر؟ فأيهما غلب كان له الولد والشبه بإذن الله. وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كانت أنثى بإذن الله".
فمعنى العُلُوّ إذن هو الغلبة.
وأمّا حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: "وأما الشَّبَهُ في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبهُ له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه له"، والذي أخرجه البخاري رقم (4480،3938،3329)، فهو واردٌ في نفس القصّة التي رواها ثوبان وابن عباس، فلابُدّ أن يكون بمعناه، ولابُدّ أن يكون اللفظ حاكيًا معنىً واحداً.
والسَّبْقُ في اللغة يأتي بمعنى الغَلَبة، ومنه قوله تعالى: "وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ" [الواقعة:60]. أي مغلوبين [انظر: أساس البلاغة للزمخشري:283، والمفهم للقرطبي:1/570-571].
وأمّا الشك الذي جاء في رواية أنس –رضي الله عنه- كما في رواية الإمام مسلم رقم (311) في قوله: "فمن أيّهما علا أو سبق"، فهو شك من أحد رجال الإسناد، وهو سعيد بن أبي عروبة، كما جاء مصرّحًا به عند الإمام أحمد رقم (13055).
لكن يبقى أن معنى السبق هنا هو الغلبة، فيكون بمعنى العلو.
وحديث عائشة –رضي الله عنها- أن النبي –صلى الله عليه وسلم-: "وهل يكون الشبهُ إلا من قِبَلِ ذلك، إذا علا ماؤها ماءَ لرجل أشبه الولدُ أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه". أخرجه مسلم رقم (314).
هذه أصحّ أحاديث هذا الباب.
وللعلماء في فهمها أقوالٌ عديدة، قديمًا وحديثًا.
ولا أدري ما الذي يعارضه العلم الحديث من ذلك!!
أما أن للرجل والمرأة ماءً يكون منه الولد (ذكرًا كان أو أنثى)، فهذا ما لا شك فيه علميًّا، فالولد يتكون من تلقيح الحيوان المنوي الصادر من الرجل بويضةَ الأنثى.
بل هذا الحديث إعجازٌ علمي سبق إليه هذا الحديث، من جهة أن الاعتقاد الذي كان سائداً حتى القرن التاسع عشر الميلادي أن الجنين يتكون من نطفة الرجل عندما تلتقي نقطة دمٍ متجمّدة في رحم المرأة، فيتكون منها الجنين. فأثبت هذا الحديث خطأ هذا الاعتقاد، وأثبت وجود ماءٍ للمرأة يتكون منه الجنين، قبل اختراع المجهر (الميكروسكوب) بنحو ألف عام، والذي به اكتشف العلماء البويضة الأنثوية، وهي ماء المرأة، وذلك لم يقع إلا سنة (1827م) عندما اكتُشفت البويضة الأنثوية.
وأمّا ما يتعلّقُ بسبب التذكير والتأنيث، أو نزوع الشَّبه إلى الأم أو الأب، فلم أجد في العلم الحديث ما يناقض هذا الحديث، بل وجدت ما يؤيده.
فأوّلاً: العلم الحديث وقف عاجزًا أمام عددٍ من الأمور فيما يخصُّ اللحظات الأولى لتلقيح البويضة، ولم يجد تفسيرًا لعددٍ من ذلك.
فمثلاً: إذا خرجت البويضة في منتصف الدورة الشهرية عادةً من أحد مبيضي المرأة، واتجهت البويضة إلى إحدى أنبوبتي الرحم، وحصلت معاشرة للرجل في هذه الأثناء، فإن عددًا هائلاً من الحيوانات المنوّية تسبح إلى اتجاه البويضة، ولا يخطئُ واحدٌ منها طريقه، ولا يعكسُ واحدٌ منها الاتجاه مثلاً... وهذا سِرٌّ علميٌّ حتى اليوم، لا يعرف له العلم الحديث جوابًا مقنعًا.
ثم إذا ما وصل ذلك الجيش من الخلايا الذكريْة إلى البويضة، حتى تتجمّع حولها من كل اتجاه، مثل جيش كثيف العدد جدًّا يحيط بقلعة تمهيدًا لاقتحامها.. ويحدث أمرٌ عجيب قُبيل الاقتحام، وهو أن البويضة تدور حول نفسها بفعل الخلايا الذكرّية، ولا يعلم العلماء لماذا تحصل هذه الدورة قبيل معرفة صاحب الحظّ السعيد من تلك الخلايا، والذي سيقتحم وحده (غالبًا) البويضة ليتمّ التلقيح. فهذا سِرٌّ آخر، لا جواب له، مع سر سبب اختيار صاحب الحظّ السعيد.
انظر: موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي للأستاذ الدكتور أحمد شوقي إبراهيم (2/64).
فأمرٌ تحيط به كل تلك الأسرار، كيف يُجْزَمُ بمخالفته للحديث؟! كان ينبغي أن تصبح هذه الأسرار حقائق علميّة يقينّية الجواب، ثم يُبْحَثُ عن علاقتها بالحديث النبوي = تأييداً أو معارضةً، وهل المعارضة حقيقيّة أم لفظيّة؟ أما التسرّع برد الحديث النبوي مع عدم الوصول إلى أجوبة يقينيّة، بل مع غياب حقائق عنّا ما زالت أسرارًا بالنسبة لنا = فهذا يدل على عدم ثقة بالمنهج النقدي الذي به حفظ الله تعالى دينَه وسُنّةً نبيِّه –صلى الله عليه وسلم-، وهذا خطأ جسيم، وهو بوابة شك في الدين كله (كما سبق).
ثانيًا: هناك أكثر من نظريّة علميّة لتفسير ما يقع بعد التقاء الماءين (ماء الرجل وماء المرأة)، وكلّها لا تخالف الحديث، بل تؤيّده!
فمثلاً: من المقرر علميَّا أن البويضة الأنثويّة لا تحمل إلا صبغيًّا (كروموسومًا) مؤنثاً (المرموز له بالرمزx) وأما الحيوانات المنوية الذكرية فمنها ما يحمل صبغيًّا مذكَّرًا (المرموز له بالرمزY). ومنها ما يحمل صبغيًّا مؤنّثًا (xوx)، وإذا لقحت البويضة بالحيوان الذي يحمل الصبغى المؤنث، أنث البويضة باجتماع (x و x) وإذا لقحت بصبغي مذكّر، ذكّر (xوy).
وبالتالي يكون معنى الغلبة الذي جاء في الحديث واضحًا، فإمّا يُلقح الصبغي المذكَّر فيغلب البويضة، وإما أن يُلقح الصبغي المؤنّث فتغلب البويضة.
هذا تفسير علمي مقبول، يؤيّده الحديث النبوي.
وهناك تفسير آخر وهو أنه قد ثبت علميَّا أن ماء الرجل قلويّ وأن ماء المرأة حمضي، فإذا التقى الماءان، وغلب ماء المرأة ماءَ الرجل، فكان الوسط حامضيَّا، تضعف حركة الحيوانات المنويّة التي تحمل خصائص الذكورة، وتنجح الحيوانات المنويّة التي تحمل خصائص الأنوثة في تلقيح البويضة، فيكون المولود أنثى.. والعكس صحيح.
[من مقال للدكتور عبد الرشيد قاسم، منشور في موقع: عيادات ومنتديات طبيبـي بعنوان: تحديد جنس الجنين: دراسة شرعيّة طبيّة].
فهذان رأيان علميّان طبيّان يؤيّدهما الحديث النبويّ، فمن أين جاء التعارض أصلاً؟! بل كان ينبغي أن يكون هذا الحديث دليلاً جديداً على نبوّة النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه سبقٌ علميّ، لا تفسير له إلا أن هذا الحديث وحيٌ من الخالق سبحانه وتعالى. وكان ينبغي أن يكون هذا الحديث أيضاً دليلاً جديدًا على صحّة المنهج الحديثي في نقد المرويّات الذي سار عليه المحدّثون، فها هو يصحح حديثاً غريبًا على علوم تلك الحقبة، ثم يثبت العلمٌ المعاصرُ صحّة ما ورد فيه من معلومات طبيّة علميّة.
وبذلك نخرج إلى أن هذين الحديثين اللذين كانا سببًا لشَكِّ الأخ السائل (وفقه الله تعالى) ينبغي أن يكونا سببًا ليقينه، لا لشكّه! وأن القصور لم يكن في منهج علماء السنّة النقدي للمرويات، وإنما القصور جاء من إدراك الحقائق العلميّة، أو من فَهْم النصّ النبوي الفهم الصحيح.
ولكن يبقى أن السائل (وفقه الله تعالى) قد أضاف سببًا آخر لرد هذين الحديثين، غير التشكيك في صحتهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أن يكونا من قبيل قول النبي –صلى الله عليه وسلم- في مسألة تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم". وردّ الحديث بناءً على هذا الفهم من قصّة تأبير النخل، يقوم على أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اجتهد فيما لم يأته فيه وحي، وأنه أخطأ في اجتهاده؛ ولذلك قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
وعدم الاحتجاج بالسنّة بناءً على هذا الفهم لذلك الحديث خطأٌ كبير، وقع فيه كثيرٌ من المعاصرين، وله لوازم خطيرة على السنة النبويّة. وقد كتبتُ مقالاً في بيان ذلك، بعنوان (السنة وحيٌ من رب العالمين، في أمور الدنيا والدين). فإن رغب السائل أن يجد الجواب على حديث "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، فعليه بهذا المقال؛ ليعلم أنّ هذا الحديث لا يخرج السنة في أمر الدنيا أن تكون وحياً من الله تعالى، وبالتالي: فالسنة في أمر الدنيا يجب تصديقها، والعمل بما تكلّفُ به.
وعلى كُلّ: فبعد الجواب عمّا كان يستشكله السائل من معنى الحديثين السابق ذكرهما، فما عاد هناك داع للقول إنهما اجتهاد من النبي –صلى الله عليه وسلم- أخطأ فيه؛ لأنه قد تبيّن أنهما صوابٌ وحق، بل كونهما صوابٌ وحقٌ، مع كون موضوعهما ممّا لم يكتشف إلا في العصر الحديث، يجعلهما دليلاً من أدّلة نبوّته –صلى الله عليه وسلم-، من جهة أنهما يُثبتان أنهما وحيٌ من الخالق العليم سبحانه وتعالى.
وأرجو أن أكون بذلك قد أعنت السائل على إزاحة ألم الشكّ، وعذاب الحيرة، وظُلمة الشُّبْهة. بلّغنا الله تعالى منازل المتقين، وأراح قلوبنا بطمأنينة الصالحين. والله أعلم.
والحمد لله على كل نعمة، والصلاة والسلام على خير نَسْمة، وعلى أزواجه وآله ما أشرقت شمسٌ أو تلألأت نجمة.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ