إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان عدة من فقدت زوجها في أرض الجهاد
المجيب
خالد بن سعود الرشود
قاضي في ديوان المظالم
التاريخ الثلاثاء 17 ربيع الأول 1429 الموافق 25 مارس 2008
السؤال

امرأة فقدت زوجها في أرض الجهاد، فما هي عدتها؟ أرجو التفصيل والتوضيح مع بيان الاستدلال ومصادره.. جزاكم الله خير الجزاء .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم: وبعد:
أقول للسائل –وفقه الله- جواباً على سؤاله بالتفصيل في حكم عدة زوجة المفقود: بأنه إذا غاب الرجل عن امرأته، لم يخل من أحد حالين: أحدهما، أن تكون غيبة غير منقطعة، يعرف خبره، ويأتي كتابه، فهذا ليس لامرأته أن تتزوج في قول أهل العلم أجمعين، إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله، فلها أن تطلب فسخ النكاح، فيفسخ نكاحه. وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقينا وفاته. وهذا قول النخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومكحول، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابه.
الحال الثاني، أن يفقد، وينقطع خبره، ولا يعلم له موضع، فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما، أن يكون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكة، وطلب العلم والسياحة، فاختلف فيه العلماء على أقوال أهمها ثلاثة: الأول: لا تزول الزوجية، ما لم يثبت موته، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه. وإليه ذهب ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وروي ذلك عن أبي قلابة، والنخعي، وأبي عبيد.
القول الثاني: تتربص أربع سنين، وتعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحل للأزواج، وقال به مالك، والشافعي في القديم؛ لأنه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطء بالعنة، وتعذر النفقة بالإعسار، فلأن يجوز ها هنا لتعذر الجميع أولى، واحتجوا بما روى البيهقي في سننه الكبرى (ج7ص445) وغيره عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا، مع موافقة الصحابة له، وتركهم إنكاره.
القول الثالث: ما نقله أحمد بن أصرم، عن أحمد قال: إذا مضى عليه تسعون سنة، قسم ماله. وهذا يقتضي أن زوجته تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج. واعتبروا تسعين سنة من يوم ولادته؛ لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر، فإذا اقترن به انقطاع خبره، وجب الحكم بموته، كما لو كان فقده بغيبة ظاهرها الهلاك. والمذهب الأول؛ لأن هذه غيبة ظاهرها السلامة، فلم يحكم بموته، كما قبل الأربع سنين، أو كما قبل التسعين، ولأن هذا التقدير بغير توقيف، والتقدير لا ينبغي أن يصار إليه إلا بالتوقيف؛ لأن تقديرها بتسعين سنة من يوم ولادته، يفضي إلى اختلاف العدة في حق المرأة باختلاف عُمر الزوج، ولا نظير لهذا، وخبر عمر ورد في من ظاهر غيبته الهلاك، فلا يقاس عليه غيره.
القسم الثاني، أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك، كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع، فلا يظهر له خبر، أو يفقد بين الصفين في القتال، أو ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته، أو يفقد في مهلكة، كَبَرِّيَةٍ ونحوها، ففيه خلاف:
القول الأول: وهو مذهب أحمد الظاهر عنه، أن زوجته تتربص أربع سنين، أكثر مدة الحمل، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا. وتحل للأزواج قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمر؟ قال: هو أحسنها يروى عن عمر من ثمانية وجوه. ثم قال: من ترك هذا القول أي شيء يقول، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير. قال أحمد: خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وقتادة، والليث، وعلي بن المديني، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وبه يقول مالك، والشافعي في القديم، إلا أن مالكاً قال: ليس في انتظار من يفقد في القتال وقت.
القول الثاني: في امرأة المفقود بين الصفين: تتربص سنة وقال به سعيد بن المسيب –ذكره البخاري تعليقا-؛ لأن غلبة هلاكه ها هنا أكثر من غلبة غيره، لوجود سببه. وقد نقل عن أحمد: التوقف.
القول الثالث: وقال به علي وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والشعبي في الأصح عنهم وقال به أبو قلابة، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه، أدلتهم:
1- لما روى المغيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "امرأة المفقود امرأته، حتى يأتيها الخبر" رواه البيهقي والدار قطني، وفيه سوار بن مصعب وهو ضعيف ذكر ذلك البيقهي.
2- القاعدة الشرعية: أن اليقين لا يزول بالشك، وعقد الزوجية يقين، وموته شك.
3- أن التقدير بمدة معينة لابد فيه من توقيف، وحيث اختلف الصحابة فدل على أن التقدير اجتهاد منهم لا توقيف، وبالتالي فإن من عادة الشرع فيما لا توقيف فيه أن يرد إلى العرف إذا تبين لنا وفاته بطريق غلبة الظن حكمنا بها وإلا فلا.
4- ولأنه شك في زوال الزوجية، فلم تثبت به الفرقة، كما لو كان ظاهر غيبته السلامة.
وهو الراجح عندي -والله أعلم- خصوصاً مع تطور وسائل الاتصال، وإمكان الوصول إلى غلبة الظن في وجود المفقود من عدمه، وضرب مدة أربع سنين طويلة جداً، فكيف مدة تسعين سنة أو غيرها من يوم ولادته التي نص عليها العلماء رحمه الله.
المراجع (المغني 105-108/8) وسنن البيهقي، فتح الباري، سنن الدار قطني، مصنف عبد الرازق، مصنف ابن أبي شيبة، كتب القصة في المذاهب الأربعة. في باب عدة الطلاق.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ