إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان رؤية الرسول في المنام
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الثلاثاء 09 ربيع الثاني 1429 الموافق 15 إبريل 2008
السؤال

صليت الفجر، وعدت إلى فراشي وقد غفوت، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءني وقال لي: "أنه جاءني رجل، وقال لي: يا رسول الله إن جاري يأس عليّ ويضيق عليّ، فقال له الرسول: ارجع إلى جارك عسى الله أن يصلح بينكما، فعاد مرة أخرى إلى الرسول، وقال له يا رسول الله إن جاري يأس عليّ ويضيق عليّ، فقال له الرسول ارجع إلى جارك عسى الله أن يصلح بينكما، ثم عاد الرجل للمرة الثالثة إلى رسول الله، وقال له: إن جاري يأس عليّ ويضيق عليّ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم خذ متاعك وقف على الطريق، ففعل الرجل، وإذا بالناس المارة في الشارع يسألون عن سبب وقوف الرجل في الطريق، فيقول لهم الرجل إن جاره يأس عليه ويضيّق عليه، فأخذ الناس يلعنون الجار، وهكذا من يدخل الطريق يلعن هذا الجار، حتى جاء الجار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله إن الناس يلعنوني في كل مكان، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله لعنك قبل أن يلعنك الناس" اذهب إلى جارك واستسمحه عسى الله أن يصلح بينكما، فرجع الجار إلى الرجل طالبا السماح والمغفرة منه، ففعل الرجل وسامحه وتعانقا وتصافيا وأسقط الرجل حقه، وعسى الله أن يصلح بيننا.
فطلب مني الرسول صلى الله عليه وسلم أن أعطيه عهد الله أن أنشر هذا الكلام، فقلت له أين أنشره؟ فقال في كل مكان وكل مجلس، وقد عاهدت الله والرسول أن أنشر هذا الكلام، ولا أبدل فيه، وقد قال لي: لا تَخَفْ.
وها أنا أوفي بعهدي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأضع بين أيديكم رؤيتي عسى الله أن يصلح حالنا، وأرجو من كل من يقرأ هذه الرؤيا أن ينشرها، ويعينني على نشرها.. وجزاني الله وإياكم خيراً.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
الحديث الذي ذكر السائل أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله له في المنام هو حديث أخرجه أبو داود في سننه ح (5153) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ، فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ . وإسناده حسن، وقد سبق لي جواب مفصل عن المنامات والرؤى وأحكامها، وعن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ومن المناسب أن أذكره مع جواب هذا السؤال:
السؤال الأول: إذا رأى الشخص النبي صلى الله عليه وسلم في المنام هل تكون رؤية صادقة أم كاذبة؟، كثير من أهل البدع مثل بدعة المولد يحتجون على بدعتهم بأنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وأقرهم على ذلك، فما هي ضوابط رؤية النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
من الأمور المتقررة لدى العلماء أن الأحكام والأوامر والنواهي لا تؤخذ عن طريق الرؤى والمنامات، وأن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه يأمره بفعل أو ينهاه فعليه أن يعرض ذلك على شريعته فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل من الرائي، قال الإمام القرافي في الفروق: "إخباره صلى الله عليه وسلم في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط.... فلو قال له عن حلال أنه حرام، أو عن حرام أنه حلال، أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم". [ينظر: الفروق (4/245-246)]، وقال في الآداب الشرعية: "قال أبو زكريا النواوي: نُقل الاتفاق على أنه لا يُغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع …. ولا يجوز إثبات حكم شرعي به....". [الآداب الشرعية (3/447)]، وقال العلّامة المُعلِّمي -رحمه الله-: "اتفق أهل العلم على أنّ الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حُجّة شرعية صحيحة". [التنكيل (2/242)].
وبهذا يتبين ضلال أهل البدع والصوفية الذين يزعمون أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أمرهم ونهاهم بأمور تخالف الشريعة أو لم تثبت في الشريعة، لأن الرؤى لا يُعول عليها في إثبات الأحكام الشرعية، وأما حديث: من رآني في المنام، فقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي". [أخرجه البخاري ح (110) ومسلم ح (2266)]، وللعلماء في تفسير هذا الحديث أقوال أُجملها فيما يلي:
1- أن المراد بهذا الحديث أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه على صورته المعروفة، وأوصافه الجسمانية التي دلت عليها الأحاديث فكأنه رآه في اليقظة، وكان محمد بن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال لم تره". [ذكره البخاري في الصحيح معلقاً وسنده صحيح]، وأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قال قلت لابن عباس: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال: صفه. لي قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته به قال قد رأيته. وسنده جيد. [أخرجه الحاكم في المستدرك ح (8301)]، وقال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون معنى الحديث: إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله، فإن رئي على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل".
2- وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بهذا الحديث أن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فإنه يراه حقيقة، سواء كانت رؤيته على حقيقته المعروفة أو غيرها، قال القرطبي: "الصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هي حق في نفسها، ولو رئي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله".
3- وذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث خاص بأهل عصره صلى الله عليه وسلم ممن آمن به قبل أن يراه، قال المازري: إن كان المحفوظ: (فسيراني في اليقظة) احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه صلى الله عليه وسلم".
4- وذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث خاص بالصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا صفته، فمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم منهم في منامه بعد وفاته فإنه رآه حقاً لأنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه، ويشعر بهذا قوله: "من رآني"، قال ابن جزي المالكي: "تنبيه: قال صلى الله عليه وسلم: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، وقال العلماء: لا تصح رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً إلا لصحابي رآه حافظ صفته حتى يكون المثال الذي رآه في المنام مطابقاً لخلقته صلى الله عليه وسلم. [ينظر القوانين الفقهية لابن جزي ص (379)]، وقال الإمام القرافي: "قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم صفته فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان فينتفي عنه اللبس والشك في رويته عليه السلام، وثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتاب حتى انطبعت في نفسه صفته عليه السلام ومثاله المعصوم كما حصل ذلك لمن رآه فإذا رآه جزم بروية مثاله عليه السلام كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس والشك في رويته عليه السلام، وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم بل يجوز أن يكون رآه عليه السلام بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه أنا رسول الله ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره... "، هذا والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ