إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تفسير قوله تعالى: إلا على الله رزقها
المجيب
خالد بن سعود الرشود
قاضي في ديوان المظالم
التاريخ السبت 20 ربيع الثاني 1429 الموافق 26 إبريل 2008
السؤال

قال تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها".
لماذا إذاً نجد بعض الناس يموتون جوعاً ولا يجدون لقمة العيش؟!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأسأل الله تعالى أن يشرح قلوبنا لفهم كتابه والعمل بما فيه إنه سميع قريب.. وللجواب على هذا السؤال أقول بأن هذه الآية قد تضمنت معاني:
أولاً: أن آيات القرآن يصدق بعضها بعضا، فما اشتبه معناه منها ردَّ إلى المحكم الواضح الذي لا يشتبه، ومن هذا الباب هذه الآية، ومن معانيها كما قال مجاهد في قوله: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" قال: ما جاء من رزق فمن الله وربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً.
ذو القوة المتين "فهو الذي يرزق الخلق سبحانه أجمعين، وهو الذي يبتدئهم بذلك، كما أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. قال تعالى: "أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " وقال: "أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" والآيات في هذا المعنى كثيرة، فإيجاد الرزق لا يكون إلا منه سبحانه، وقد يرزق وقد لا يرزق، وقد يوسع في الرزق وقد يضيق، على ما سبق من حكمته تعالى، وهذا معنى لا إشكال فيه ثابت بالشرع والعقل، فالخلق خلقه والملك ملكه، وكل شيء في هذا الكون هو ربه سبحانه وسيده ومالكه وقبل ذلك خالقه.
ثانياً: أن معنى (على) هنا ليست للإيجاب، ولكنه تفضل منه سبحانه، كما ذكر القرطبي وغيره من المفسرين، فهو سبحانه يعطي ويمنع ويصل ويقطع ويحكم، لا معقب لحكمه وأعماله جل وعلا منوطة بالحكمة البالغة العظيمة، لهذا ابتدأ السورة التي فيها هذه الآية بقوله سبحانه: "ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حيكم خبير" فقوله: "أحكمت آياته" يشير إلى المعنى الأول الذي ذكرته، وقوله: "حكيم خبير" يشير إلى المعنى الثاني لمن تدبر. وهذه الحكمة قد تدرك العقول بعضها وبعضها لا تحتملها عقول بني آدم: "والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب". ولهذا فالغنى والفقر والشبع والجوع مثل المصائب الأخرى التي يبتلى بها الإنسان ليتقرر مبدأ الابتلاء والاختبار في هذه الحياة، ولإثبات أنها ليست حياة نهائية بل هي حياة ابتدائية لغرض الامتحان ليميز الطائع من العاصي والبر من الفاجر والشاكر من الكافر ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة، وقد بين تعالى معنى الابتلاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا".
ثالثاً: أن قوله "ما من دابة" تفيد العموم، أي أن كل الدواب على هذه الأرض بمجموعهم يرزقهم الله تعالى، إذ لولا ذلك لماتوا وهلكوا جميعاً، ولا يلزم منه أن يرزق الجميع على التعيين والإفراد، وهذا المعنى قريب من المعنى الأول.
رابعاً: أن الله تعالى هو مسبب أسباب الرزق وجعلها عامة للخلق، فمنهم من يأخذ بهذه الأسباب ومنهم من يتركها. قال تعالى: "هو الذي سخر لكم ما في الأرض جميعاً" وقال: "وهو الذي سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه" وقال: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" والعبد مأمور بالأخذ بهذه الأسباب الطبيعية منها والشرعية، فالطبيعية مثل حرث الأرض للإنبات، والشرعية مثل طاعة الله بنعمه، وعدم عصيانه والاستعانة به والتوكل عليه حق التوكل في طلب الرزق، وقد يتخلف السبب ويقع الرزق على ما مضى من القدر السابق والمشيئة النافذة والحكمة البالغة، وقد يتخلف السبب ويتخلف الرزق معه.
خامساً: أنه ما من أحد من الخلق إلا سيرزق بنصيبه المقدر له، قلَّ أو كثر، ويموت بعد استكماله رزقه، وقد يموت جوعاً، فإن قال قائل: الرضيع المولود الذي مات جوعاً وقد جف ضرع أمه هل يدخل في الآية؟ فالجواب نعم، فقد رزقه الله تعالى في بطن أمه حتى نمى جسمه وخرج إلى هذه الدنيا.
والحاصل مما سبق أنه إذا جمع معنى هذه الآية والآيات الأخرى كقوله تعالى: "أو لم يرو أن الله يرزق لمن يشاء ويقدر" وقال: "أو لم يعملوا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" وما في معناها من الآيات لوجدت أنه ما من دابة إلا نالت نصيباً من رزق الله، ولكن بعضها يقل وبعضها يكثر، وبعضها يكون في وقت وينعدم في الآخر.
وجملة الأمر داخل في حكمة الله تعالى العظيمة في تقسيم الأرزاق. والله تعالى أعلى وأعلم بمراده وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ