إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تعلُّم علم الفلك
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاثنين 05 جمادى الآخرة 1429 الموافق 09 يونيو 2008
السؤال

ما حكم تعلُّم علم الفلك، هل هو فرض كفاية أم واجب؟ أفتونا أثابكم الله.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فجوابا على السؤال حول أهمية علم الفلك المستند على الأرصاد الفلكية في الإسلام، أقول مستأنسًا بآراء نخبة من العلماء الأجلاء، ومستعينًا بالعلي القدير سائله تعالى التوفيق والسداد:
كانت الأرصاد الفلكية قديما مختلطة بالتنجيم Astrology والفلسفة Philosophy فيما كان يسمى بعلم الهيئة، وقد استقل علم الفلك الحديث Astronomy عن التنجيم والفلسفة، واعتمد أساسا على الأرصاد الفلكية، وانطلاقا من تعاليم الإسلام رفض علماء الشريعة التنجيم لادعائه الكاذب بإمكان استقراء أقدار البشر اعتمادا على هيئة الأجرام الفلكية، بينما قبلوا علم الفلك استجابة لدعوة القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: "قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ" [يونس:101]، وقد أثمرت تلك الدعوة رواداً في علم الفلك، وتزامن انتشار الإسلام مع ظهور تصنيفات علوم الكون إلى جانب علوم الشريعة، وفي الغرب ما زالت تُعرف إلى اليوم الكثير من الأجرام الفلكية بنفس مسمياتها العربية، لتشهد بأن الإسلام دين يدعو إلى استقراء الواقع لا التبعية العمياء التي أدت بالكنيسة في العصور الوسطى إلى اضطهاد العلماء، فأقدمت على حرق جيوردانو برونو عام 1600 بعد التعذيب بالسجن ثمان سنوات لاتباعه أفكار العالم المسلم ابن رشد في نبذ التبعية العمياء بلا تمحيص وتحقيق، ومخالفته معتقد الكنيسة في سكون الأرض، وبالمثل حاكمت جاليليو جاليلي لاتباعه نفس النهج، وقد دفع انتشار الإسلام إلى الاهتمام أكثر بعلم الفلك خاصة لضبط مواعيد العبادات في المجتمعات الإسلامية والاسترشاد بمواقع النجوم في تحديد الاتجاهات فضلا عن محاولة فهم بعض النصوص الكونية في القرآن الكريم.
وفي مقال منشور قال فضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط -إمام الحرم المكي، والأمين المساعد السابق للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة-: "إن للعلوم الكونية -كما هو الشأن تماماً في شقيقاتها من علوم الدين- دوراً فاعلاً ومؤثراً في خدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والإسفار عن وجه جلالهما وجمالهما، وبيان هديهما وشرائعهما كما أمر الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، ذلك أن العلم الصحيح في هذا الدين رديف الوحي في تثبيت الهدى؛ تحقيقاً لوعد الرب جل وعلا بجعل آياته في الآفاق والأنفس عاملاً من عوامل بيان الحق وترسيخ اليقين: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيد" [فصلت:53]، وإن من أهم هذه العلوم الخادمة للكتاب والسنة علم الفلك، أو علم الهيئة كما كان يسميه الأقدمون مما هو معلوم مشهور في تراثنا العلمي الإسلامي..، ويراد بعلم الفلك ذلك العلم الذي يدرس الكون بما فيه من أجرام سماوية وظواهر كونية..، (ويرتكز) أساساً على الأرصاد والملاحظات.. (بينما) التنجيم.. (وهو) التطلع إلى معرفة الغيب من خلال النظر في النجوم.. لا يعد في الحقيقة علماً بالمعنى الاصطلاحي المعروف للعلم، بل هو حديث خرافة، ولا صلة له بالعلم من قريب ولا بعيد..، أما سبب اقترانه بعلم الفلك فلأنهما مشتركان في المادة الأساسية لكل منهما، وهي هذه السماء بأجرامها وظواهرها الكونية المختلفة، أما علم الفلك فقد حظي بعناية أهل الإسلام منذ عهد بعيد؛ ولا غرابة في ذلك إذا علم أن القرآن الحكيم أورد جملة وافرة وعدداً كبيراً من الآيات المتعلقة بالكون والفلك..، ولا ريب أنه كان لهذه الآيات أبلغ الآثار في نفوس الفلكيين المسلمين، فأقبلوا عليها دارسين وباحثين في دقائقها، غواصين في بحار معانيها، ملتقطين عجائب لآلئها، موجهين الأنظار إلى ما حوته من إعجاز علمي بين، ولهذا لم يكن عجباً أن يعد كثير من العلماء والباحثين بحق علم الفلك كله تفسيراً لهذه الآيات القرآنية الكونية، وبياناً لما تضمنته من إعجاز علمي شهدت ولا تزال تشهد به الحقائق العلمية التي أذهلت العالم".
وقال الدكتور فؤاد سيزكين في أبحاث الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب (ص48): "لا بد من فهم موقف الدين الإسلامي من العلم، وموقفة هذا كان المحرك الكبير لا للحياة الدينية فحسب، بل للحياة الإنسانية من جميع جوانبها، وموقف الإسلام هذا هو الدافع الأكبر في السعي وراء العلوم، وفتح الأبواب للوصول إلى المعارف الإنسانية".
وقال معالي الأستاذ الدكتور أحمد إياد الشطي وزير الصحة السوري في بحث منشور بمشاركة الأستاذ الدكتور برهان العابد: "لم يكتف العرب بإعادة النظر بنظريات الإغريق وتوضيحها، بل إنهم أضافوا إليها الكثير من مكتشفاتهم، فابن الهيثم المولود في البصرة عام 965م كان -بلا شك- أكبر فيزيائي عربي، فقد عارض في كتابه (البصريات) إقليدس وبطليموس في تصورهما الخاطئ بأن الشعاع البصري يخرج من داخل العين إلى الأشياء الخارجية، وبذلك قلب النظرية اليونانية..، كما درس انكسار الضوء.. (و) عرف مبدأ العطالة التي صاغها فيما بعد إسحاق نيوتن في قانونه المتعلق بالحركة، (و) لقد أصبح كتاب المناظير لابن الهيثم أساس جميع البصريات في القرون الوسطى..، أما في عصر النهضة فقد تأثر به ليوناردو دافنتشي ويوهان كيبلر.
(و) لقد وجد العرب لدى الهنود ثروة ضخمة من المعارف الفلكية في كتاب السند هند سرعان ما أمر الخليفة المنصور بنقلة إلى اللغة العربية، فقام بذلك محمد بن إبراهيم الفزاري الذي جمع أيضا الجداول الفلكية الساسانية (الزيج)، وكان أول عربي يبني إسطرلابا على الطريقة اليونانية..، (و) قد أمر الخليفة هارون الرشيد في وقت لاحق بترجمة المجسطي لبطليموس الكتاب الذي يضم المبادئ الأساسية للمعلومات الفلكية، كما قام محمد بن موسى الخوارزمي في زمن الخليفة المأمون باختصار كتاب السند هند، وعمل منه زيجًا اشتهر في كافة البلاد الإسلامية، كما بنى الخليفة مراصد فلكية في كل من دمشق وبغداد كانت بداية انتشار بناء المراصد وتقدم العلوم الفلكية، إذ قام الفاطميون بإنشاء مراصد في مصر أشهرها مرصد المقطم، كما أنشأ نصر الدين الطوسي مرصد مراغة في آذربيجان الذي أصبح معهدا للبحوث الفلكية، وزوده بآلات رصد متقدمة ونقل إلى مكتبته 400 ألف مخطوط من الكتب التي أنقذت من مكتبات بغداد وسورية في زمن هولاكو، هذا وقد قامت مراصد أخرى في الأندلس والشام وإيران وسمرقند اشتهر من علمائها الطوسي والفرغاني والبتاني وابن يونس والبوزجاني والمجريطي والبيروني وغيرهم".
فعلم الفلك إذن دعوة دينية وضرورة حياتية ومظهر نهضة حضارية وتكليف كفاه عن الأمة البعض على طول تاريخ الإسلام؛ وإن خلط البعض اليوم بين حقائقه القائمة على الأرصاد، وبين التنجيم القائم على الوهم فنفروا منه أو ظنوا حقائقه محض أوهام فلسفية تتبدل مع الزمن، أو غالوا فظنوه مخالفا للشريعة استنادا إلى اكتفاء القرآن الكريم في جواب السؤال عن الأهلة بالجانب الشرعي في قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ" [البقرة:189]، ولكن ما كان العدول عن الجانب الفلكي إلا مراعاة للحالة العلمية لأوائل المخاطبين والاكتفاء بما يحقق الغرض التشريعي، فلا يستقيم إذن النفور من تعلم علم الفلك أو رفض حقائقه بدعوى أن الصحابة الكرام لم يهتموا إلا بتعلم الدين فحسب.
قال فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ في تفسيره (ج7ص133): "ربما جاء (أحدهم) وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم وذلك على خلاف المعتاد، فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته وتقريره من وجوه؛ الأول: أن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزاً لما ملأ الله كتابه منها، والثاني: أنه تعالى قال "أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ" [ق:6]، فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها، والثالث: أنه تعالى قال "لَخَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلَـَكِنّ أَكْـثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" [غافر:57]، فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السموات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس، ثم إنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله : "وَفِيَ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ" [الذاريات:21]، فما كان أعلى شأناً وأعظم برهاناً منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها، ومعرفة ما أودع الله فيها من العجائب والغرائب، والرابع: أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال: "وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ" [آل عمران:191]، ولو كان ذلك ممنوعاً منه لما فعل، والخامس: أن من صنف كتاباً شريفاً مشتملاً على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان؛ منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين، ومنهم من وقف على تلك الدقائق على سبيل التفصيل والتعيين، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى، وأيضاً فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلاله أكمل"، وقال الرازي أيضا في موضع آخر (ج2ص481): "روي أن عمر بن الخيام كان يقرأ كتاب المجسطي (لبطليموس في القرن الرابع قبل الميلاد) على (أستاذه) عمر الأبهري، فقال بعض الفقهاء يوماً: ما الذي تقرؤونه، فقال (عمر): أفسر آية من القرآن وهي قوله تعالى: "أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ" [ق:6]؛ فأنا أفسر كيفية بنيانها، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته"، وعبارة شهاب الدين الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ في تفسيره (ج23ص107): "فنحن ننظر كيف خلق السماء وكيف بناها وكيف صانها عن الفروج"، وقال أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة 745 هـ في تفسيره (ج5ص360): "علم الهيئة.. علم شريف يطلع فيه على جزئيات غريبة من صنعة الله تعالى يزداد بها إيمان المؤمن إذ المعرفة بجزئيات الأشياء وتفاصيلها ليست كالمعرفة بجملتها".
وقد أجمل الشيخ فيصل مولوي في بحث منشور رأي أهل العلم بقوله: "أكثر العلماء (على) أن الحد الأدنى من العلوم الشرعية الضرورية فرض عين على كل مسلم، أما العلوم الأخرى التي بها قوام الدنيا كالطب والحساب والفلك وغيرها فهي فرض كفاية..، ومن المعروف أنّ جميع العلوم تتراوح بين أن تكون فرض عين أو فرض كفاية أو مستحبّة، ولم ينه الإسلام إلاّ عن علم (التنجيم)..، فهو شعبة من السحر، أو ادعاء لعلم الغيب". والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ