إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل حدد الإسلام الربح؟
المجيب
خالد بن سعود الرشود
قاضي في ديوان المظالم
التاريخ الاثنين 19 جمادى الآخرة 1429 الموافق 23 يونيو 2008
السؤال

هل توجد قيمة محددة للربح في التجارة إذا تعداها البائع تعتبر حراماً؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأسأل الله تعالى العلم النافع، والعمل الصالح، والرزق الحلال الواسع لكل مسلم، وجواباً على هذا السؤال أقول: إن البيوع على أربعة أنواع:
1- بيع التولية: وهو بيع السلعة بنفس الثمن الذي اشتراها به.
2- بيع المرابحة: وهو بيع السلعة بربح معلوم زائد على الثمن الذي اشتراها به.
3- بيع الوضعية، وهو عكس المرابحة أي بيع السلعة بأقل من رأس المال.
وهذه الأنواع الثلاثة تسمى بيوع الأمانات؛ لأنها تعتمد على أمانة البائع في تبيين رأس المال والربح أو الوضعية منه للمشتري، فلابد فيها أن يذكر البائع للمشتري رأس المال وربحه أو ضيعته أو الاكتفاء به.
4- بيع المساومة، وهو الذي لا يذكر فيه البائع رأس المال، بل يعرض السلعة للبيع إما بسعر معين أو يطرحها للسوم من قبل المشتري، فينعقد البيع على ما اتفقا عليه ممن يغض النظر عن الثمن الذي اشتراه البائع به، وما يهمنا بالنسبة لسؤال السائل نوعان: هما بيع المرابحة، وبيع المساومة، وعلى هذا فالربح الكثير في البيع لا يخلو من ثلاث صور:
1- أن يبيع للمسترسل الذي يخدع في البيوع، ولا يحسن معرفة قيمة السلعة الحقيقية، فيدفع المال يظن أن السلعة تساوي تلك القيمة، وهي ليست كذلك. قال ابن قدامة رحمه الله: المسترسل هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يحسن المبايعة. قال أحمد المسترسل، الذي لا يحسن أن يماكس.
فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة، ولا معرفة يغبنه اهـ. فهذا محرم إن كان بيع مساومة لأنه من الخديعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المكر والخديعة في النار" رواه البخاري معلقا، وأسنده الحاكم والطبراني وابن راهوية في مسنده وابن عدي في الكامل، وإسناده لا بأس به كما قال ابن حجر، ولهذا يثبت للمسترسل الخيار على القول الصحيح من أقوال أهل العلم لما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رجل يخدع في البيع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل لا خلابة فكان يقوله "ومعنى لا خلابة أي لا خديعة. والقائلون بحرمة هذا اختلفوا في كم تكون الخديعة أو تعتبر الخديعة –أي الزيادة في الربح التي تعتبر غبناً وخديعة. والقائلون بحرمة هذا اختلفوا في كم تكون الخديعة أو تعتبر الخديعة –أي الزيادة في الربح التي تعتبر غبنا وخديعة– فقيل في الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير "وقيل في السدس، وقيل يرجع إلى العرف وهو الصواب، فكل ما دل العرف أنه أعلى مما تستحقه السلعة فإنه يعتبر غبناً وخديعة. وأما إن كان بيع مرابحة بأن بين له رأس المال وما بربح فيه فلا حرج فيما ربح منه وإن كثر –إن شاء الله- لأنه زال عنه وصف الاسترسال، ودخل على بينة إلا أن يكون مضطراً كما سيأتي.
2- البيع للعالم بقيمة السلعة، الذي دخل في هذا العقد عن علم ويقين وبصيرة بما تساويه وبما اشتراه به –سواء مساومة أو مرابحة- فهنا يصح هذا البيع مهما كان الربح كثيراً ولو بلغ أضعافاً مضاعفة، وعلى هذا يحمل حديث عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري له شاة أضحية فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب ربح فيه "فهنا ربح عروة رضي الله عنه الضعف أي 100% فاقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، والحكمة تقتضيه لأن السوق مبني على العرض والطلب، ولهذا لما قال الناس للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال" فلم يسعر لهم فدل على أن الارتفاع في قيمة السلعة مع علم المشتري بالقيمة الصحيحة وإقباله عليها من غير اضطرار أنه لا مانع منه.
3- أن يكون الربح الكثير على المضطر سواء كان البيع حالاً أو نسيئة فقيل بكراهته وقيل بحرمته، قال شيخ الإسلام: "وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تطعم"، وهذا وإن كان في رواية جهالة فله شاهد من وجه آخر رواه سعيد قال: حدثنا هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن مكحول، قال: بلغني عن حذيفة رضي الله عنه أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن بعد زمانكم هذا زماناً عضوضا يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك)، قال الله تعالى: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين". وينهد شرار خلق الله يبايعون كل مضطر ألا إن بيع المضطر حرام. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه). وهذا الإسناد وإن لم تجب به حجة فهو يعضد الأول مع أنه خبر صدق بل هو من دلائل النبوة فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر بالقرض، فيبيعونه ثمن المائة بضعفها، أو نحو ذلك، ولهذا كره العلماء أن يكون أكثر بيع الرجل أو عامته نسيئه لئلا يدخل في اسم العينة –وبيع المضطر، فإن أعاد السلعة إلى البائع، أو إلى آخر يعيدها إلى البائع عن احتيال معهم وتواطؤ لفظي، أو عرفي، فهو الذي لا يشك في تحريمه.. وقال أيضاً: ولا يربح على المسترسل أكثر من غيره، وكذا المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند شخص ينبغي أن يربح عليه مثل ما يربح على غيره، وله أن يأخذ منه بالقيمة المعروفة بغير اختياره... وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة. أهـ.
ولكن هنا يبرز إشكال وهو: كيف يعلم البائع أن هذا المشتري مسترسل أو عالم وخبير بأثمان السلع أو مضطر؟ الجواب من وجهين:
الأول: أن السلع المعاصرة، غالباً ما تكون سلعاً مركبة لا يمكن العلم بحقيقة أقيام الأشياء الداخلة في تركيبها، فليست من البهائم أو العقارات التي يمكن معرفة أقيامها، بل هي تجميع لعدة أشياء، فبالتالي رفع أثمانها بالربح الكثير فيها؛ قد يكون داخلاً في النوع الأول. وأما البيع على الخبراء في نفس المجال والممحصين لنوعياتها، فهو لا شك أنه داخل في النوع الثاني.
الثاني: أن الاضطرار يتضح من حاله سواء كان بائعاً، فيبخس قيمة سلعته أو مشتريا فيرفع عليه قيمة السلعة، وذلك في الأشياء التي تدخل في حاجات الإنسان التي لابد له منها. أو أن يشتري نسبة بثمن أعلى رغبة في النقد لحاجته إليه كما بين ذلك شيخ الإسلام. والله أعلى وأعلم وأحكم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ