إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الصفات التي تطلق على الله في حال دون حال
المجيب
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإٌسلامية
التاريخ الاحد 20 جمادى الأولى 1429 الموافق 25 مايو 2008
السؤال

يقول الأشاعرة: سمي المجاز استهزاء وخداع من باب (المشاكلة)، أرجو توضيح معنى المشاكلة هنا؟

الجواب

هذه الصفات: المكر والخداع والكيد والاستهزاء والنسيان، ومثل قوله" "وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ" [الدخان:17]. وقوله تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ" [السجدة:22]. فهذه الصفات يجوز إطلاقها على الله في حال دون حال، فهي تطلق على الله على سبيل العدل والجزاء والمقابلة، لأن هذه الصفات تكون كمالا في حال، وتكون نقصا في حال، وإذا كانت الصفة كمالا في حال، نقصا في حال لم تكن جائزة في حق الله تعالى، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتاً مطلقاً، ولا تنفى عنه نفياً مطلقاً بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالاً، وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً، ولهذا لم يذكرها الله على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، فقال تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ". [الأنفال:30]. وقوله تعالى: "إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا" [الطارق:15-16]. وقوله تعالى: "وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ" [الأعراف:182-183]. وقوله تعالى: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا" [النساء:142]. وقوله تعالى: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ" [البقرة:14-15]. ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تعالى: "وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [الأنفال:71]. ولم يقل فخانهم، لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذم مطلقاً (القواعد المثلى للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله ، أسماء الله وصفاته للشيخ عمر الأشقر).
ومن هنا يعلم الخطأ الذي وقع فيه من عَدَّ في أسماء الله الحسنى اسم الماكر، والمخادع، والناسي، والمستهزئ، والفاتن، والساخط، والمنتقم ونحوها.. قال ابن القيم رحمه الله (ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه المخادع والماكر والمستهزئ والكائد فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عن سماعه، وغرّ هذا الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقاً، بل تمدح في موضع، وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقاً، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها) ا.هـ (من معارج القبول 1/76).
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ" [البقرة:15]. وهذا جزاء لهم على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زيَّن لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة أنه يعطيهم مع المؤمنين نوراً ظاهراً، فإذا مشى المؤمنون بنورهم طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظلمة متحيرين، فما أعظم اليأس بعد الطمع) اهـ.
وعليه فيقال في هذه الصفات، الله يمكر بالماكرين، ومستهزئ بالمستهزئين، ومخادع من خادعه.
وأما قول الأشاعرة: سمي المجاز استهزاء وخداعاً من باب المشاكلة، فهذا باطل؛ لأن معنى ذلك إنكار الصفة، وإبقاء التسمية لأجل المشاكلة بين صفة الخالق وصفة المخلوق، وهذا باطل لا يلتفت إليه. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ