إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الجمع بين حديثي الافتراق والإرضاء
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الخميس 21 رجب 1429 الموافق 24 يوليو 2008
السؤال

كيف أوفِّق بين حديث "ستفترق هذه الأمة...، وحديث (سنرضيك في أمتك)؟

الجواب

أعلم -وفقك الله- أنه إذا صحّ حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يتعارضا تعارضاً كلياً، فإن خفي المعنى عليك فلا تعجل، وردّ الأمر إلى من يزيل عنك هذا الإشكال.
وبخصوص ما سألت عنه،فالجواب عنه أن يقال:
لا تعارض بين الحديثين، فالافتراق متفق مع سنة من سنن الله في الكون، وهو ماضٍ لحكم كثيرة، نعرف بعضها، ويخفى علينا بعضها، وهذا لا يعارض كونه صلى الله عليه وسلم وعده ربه بأن يرضيه في أمته، ولابد حتى يتضح لك الجواب أن تستحضر الحديث الذي وردت فيه هذه الجملة: "إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤوك"، ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم "رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه مني" الآية، وقال عيسى عليه السلام: "إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" فرفع يديه، وقال "اللهم أُمتي أمتي"، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل ! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل -عليه الصلاة والسلام- فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال -وهو أعلم- فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد، فقل: "إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".
قال النووي -في شرحه لهذا الحديث وبيان فوائده (3/ 79)-:
"ومنها: بيان عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وعظيم لطفه سبحانه به صلى الله عليه وسلم، والحكمة في إرسال جبريل لسؤاله صلى الله عليه وسلم إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بالمحل الأعلى، فيسترضى ويكرم بما يرضيه، وهذا الحديث موافق لقول الله عز وجل: "ولسوف يعطيك ربك فترضى" وأما قوله تعالى: "ولا نسوؤك" فقال صاحب التحرير: هو تأكيد للمعنى، أي: لا نحزنك ؛ لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم، ويدخل الباقي النار، فقال تعالى: "نرضيك" ولا ندخل عليك حزناً بل ننجي الجميع والله أعلم" انتهى كلام النووي رحمه الله.
ومما يزيد المعنى وضوحاً -في معنى إرضاء الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم- علينا أن نستحضر كم هي الخصائص التي اختص الله بها هذه الأمة مقارنة بباقي الأمم؟
لقد أرضى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة منها:
1- جعل أمته خير الأمم.
2- وأرضاه الله عز وجل في أمته بأن ضاعف لها الأجور،كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى! فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت".
3- أن هذه الأمة جعلها الله شاهدة على سائر الأمم.
4- وأرضاه الله في أمته -ولله الحمد- بأن جعلهم الآخرين السابقين يوم القيامة.
5- ومن ذلك ما ثبت في الصحاح من قوله صلى الله عليه وسلم : "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي... الحديث".
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة، وأنه رغم ما سيقع من اختلاف فيها -كما وقع فيمن قبلها من الأمم- إلا أنها أفضل هذه الأمم، وأكرمها على الله عز وجل، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ