إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان النظر إلى ظل المرأة
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ السبت 23 رجب 1429 الموافق 26 يوليو 2008
السؤال

ما حكم النظر إلى ظل المرأة الذي يوضِّح معالم الوجه مثل الخشم والشفتين ورموش العين؟ فهناك صور في الإنترنت لمجسم المرأة لكن بالظل، أي اللون الظاهر لنا أسود مع تقاسيم الجسم وغيره، وأحيانا تكون الصورة لظل وجه المرأة الجانبي على الحائط وغيره.. فما حكم النظر إلى ذلك؟

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن الأصل في الشريعة تحريم النظر إلى الأجنبية بلا حاجة ولا ضرورة، ولو كان النظر لغير شهوة؛ لما روى أبو داود والترمذي وأحمد من طريق شريك عن أبي ربيعة عن ابن بريدة عن أبيه رفعه قال: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة".
وروى البخاري ومسلم من طريق مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِىُّ –صلى الله عليه وسلم- يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ...) الحديث.
وروى مسلم في صحيحه من طريق عمرو بن سعيد عن أبي زرعة عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجاءة؟ (فأمرني أن أصرف بصري)، قال ابن عبد البر رحمه الله: (وهذا النهي إنما ورد خوفا من دواعي الفتنة، وأن تحمله النظرة إلى أن يتأمل ما تقود إليه فتنة في دينه).
قَالَ المروذي: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ - الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلَى الْمَمْلُوكِ قَالَ: إذَا خَافَ الْفِتْنَةَ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ كَمْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَاءَ).
ومن مجموع النصوص وكلام العلماء نفهم أن العلة التي لأجلها حرم الشارع إطلاق البصر إلى ذات الأجنبية لما له تأثير على القلب، وما يسببه من الفتنة، وثوران الشهوة، وما كان سبباً لذلك حرم الشارع النظر إليه، ولو أمن صاحبه الفتنة سداً للذريعة.
قال ابن عبد البر: (وهذه الآثار وما كان مثلها في معناها يدلك على أن قوله –صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم (تضعين ثيابك ولا يراك) أراد به الإعلان بأن نظر الرجل إلى المرأة، وتأمله لها، وتكرار بصره في ذلك لا يجوز... قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ إلَى الْفَسَادِ يجب سَدُّهَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ . وَلِهَذَا كَانَ النَّظَرُ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إلَى الْفِتْنَةِ مُحَرَّمًا إلَّا إذَا كَانَ لِحَاجَةِ رَاجِحَةٍ مِثْلَ نَظَرِ الْخَاطِبِ وَالطَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ لِلْحَاجَةِ مَعَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَى مَحَلِّ الْفِتْنَةِ فَلَا يَجُوزُ ).
وإذا تقرر علة تحريم النظر إلى ذات الأجنبية، وما فيه من تأثير على القلب، وثوران الشهوة ونحو ذلك، وأن الأصل أن ما كان سبباً للفتنة يجب اجتنابه سداً للذريعة، إذا تقرر ذلك فإننا نطبق هذا الأصل على محل السؤال، فإن كان النظر إلى الظل كالنظر إلى ذات المرأة الأجنبية ويبين ملامحها، وجمالها، ولونها الطبيعي، ويفضي إلى الفتنة ونحو ذلك وجب غض البصر حينئذ سداً للذريعة، وإن كان لا يفضي إلى شيء من ذلك، وإنما هو مجرد ظل أسود لا يتبين به جمال ولا شيء من ذلك لم يجب غض البصر حينئذ؛ لانتفاء سبب التحريم، وعدم إفضاء مثل ذلك إلى الفتنة وثوران الشهوة غالباً. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ