إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان بدع أم احتفالات؟
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 29 ذو الحجة 1423 الموافق 02 مارس 2003
السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ: نحن جماعة من المسلمين نقيم في أوربا وفي الدنمارك تحديداً، ولا توجد عندنا مساجد تتسع لكل المسلمين، بل توجد –لدينا- أماكن نقيم فيها الصلوات الخمس والجمعة، أما صلاة العيد فيقوم أحد المساجد باستئجار قاعة كبيرة تتسع لأكبر عدد من المصلين، إضافة إلى مكان مخصص للأطفال فيه ألعاب، لكن المكان مختلط بين الرجال والنساء، وسؤالي هو: نحن مجموعة أخرى عندنا مصلى نقيم فيه الصلوات الخمس والجمعة، وكذلك نعلم الأطفال اللغة العربية والتربية الإسلامية، لا نصلي فيه صلاة العيد حرصاً منا على وحدة المسلمين وتكثير سوادهم في هذه الشعيرة، لكننا نقيم فيه - بعد العيد بأيام- احتفالاً للأطفال بمناسبة العيد، حتى نذكرهم أكثر بأعيادنا ونقوم بإجراء مسابقات ترفيهية من بينها قراءة القرآن والنشيد الإسلامي بدون آلات عزف، والمشكلة التي نواجهها من بعض الإخوة الذين نظن فيهم الخير والغيرة على السنة الصحيحة أنهم ينكرون علينا ذلك، بحجة أن هذه بدع لا يجوز لنا فعلها، وقد بينا لهم، لكنهم يصرون على ذلك، ويريدون فتوى من علماء الجزيرة خاصة، فنرجو الرد السريع علينا؛ لما يترتب على ذلك من أمور يعود خيرها على أطفال المسلمين خاصة، وجزاكم الله خير الجزاء.

الجواب

أخي الكريم: أحسن الله إليك كما أحسنت صنعاً في جهودك، أنت ومن معك من الإخوة في سبيل تحقيق النية ، وتأليف القلوب على الإسلام والخير.
ما ذكرته من الأعمال لا أرى فيها مانعاً، بل هي أعمال مرغوبة، والتوسعة في المباحات على الأطفال والنساء خاصة في الأعياد أمر معروف عند أهل العلم، والأحاديث في ذلك كثيرة، بعضها في الصحيحين البخاري (950)، ومسلم (892)كحديث غناء الحبشة ولعبهم في مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم- بالدرق والحراب، وسماع عائشة –رضي الله عنها- لغناء الجاريتين يوم العيد (انظر التخريج السابق) وغيرها من الأحاديث، فإذا كان هذا اللهو المباح مرخصاً فيه في ذلك العهد النبوي، وفي ذلك الجو الإيماني العابق بأنفاس النبوة، فما المانع منه في مثل الحال التي أنتم فيها؟
وبالنسبة لإنكار أولئك الإخوة – وفقهم الله للخير- يمكن أن يسألوا عنه: ما سببه؟ وما دليلهم عليه؟ ويقال ينبغي لمن أراد أن يصف الحكم على العمل بالبدعة أن يستوعب جميع ملابسات الموضوع من حيث الزمان والمكان والحال والفاعل وغير ذلك، وأن يكون هذا الحكم صادراً ممن عرف عنه العلم ، لأنني لاحظت من خلال كثير من الأسئلة التي ترد من البلاد الغربية الاعتراض بهذا الأمر (التبديع) على أمور لا تستحق ذلك عند أهل العلم، مع أنني أعلم أن الدافع لأولئك الغيرة على السنة،ولكن ذلك لا يكفي، بل لا بد مع الغيرة والعاطفة الإيمانية من علم وبصيرة نافذة، ليكون الحكم أقرب إلى الصواب. والحكم بالتبديع ليس بالأمر الهين، فليتق الله من يطلقه، والحكم على الشيء بأنه بدعة أمر يجب التأني فيه والتحقق منه وعدم العجلة، فكم زلت في هذا الباب أقدام، وترتب على ذلك من تمزيق صفوف المسلمين بعد أن كانت مجتمعة.
إذا تقرر هذا أيها المحب فإنه يقال لأولئك الإخوة: المسلم اللبيب يدرك أن اجتماع الصف ووحدة كلمة المسلمين من المقاصد العظيمة، والواجبات الكبيرة، وفي الشرع يقول سبحانه: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ" [الشورى: من الآية13]، وليس من الحكمة ولا من الشرع في شيء أن يقدم المسنون على الواجب، أو تتفرق الكلمة لأجل مسألة محتملة، يقول شيخ الإسلام بن تيمية- رحمه الله – كما في مجموع الفتاوى (22/407) لما تكلم عن مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة:(واستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي – صلى الله عليه وسلم- تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان –رضي الله عنهما- إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متماً، وقال: "الخلاف شر")أ.هـ.
وقال في موضع آخر (22/437) :(ويسوغ أيضاً أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة خوفاً من التنفير عما يصلح...) ثم ذكر المثالين السابقين في هدم الكعبة، وقصة ابن مسعود –رضي الله عنه-.
فأوصي الإخوة جميعاً أن يتعاهدوا هذا الأصل، وأن يسدوا باب التفرق، وأن لا يدعوا فرصة للفرقة التي قد تقع أسبابها أحياناً من بعض الغيورين، المعظمين للسنة، بحجة الاتباع، مع أن الحرص على جمع الكلمة ومنع أسباب الخلاف ما أمكن ذلك من أعظم آثار الاتباع ، بل هذا من أصول الدين ومخالفة دين المشركين وأوصي أحبتي الكرام بوصية الله تعالى حيث يقول: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" [آل عمران: 103]، كما أوصي إخواني بضرورة الرجوع إلى أهل العلم إذا أشكل عليهم شيء، خاصة وأنكم في بلاد يرصد فيها الكفار كل ما يصدر عنكم، وما أعظم الرزية.
أيها الإخوة إذا شمت أعداؤنا بنا بسبب التفرق الذي قد يحدثه حماس لم يضبط بزمام العلم الشرعي!! وقد قال الله تعالى في ذكر دعاء إبراهيم وقومه: "رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [الممتحنة:5]، ومن صور كون المؤمنين فتنة للكفار: أن يتفرقوا ويتشتتوا فيقول بعض الكفار : لو كان هؤلاء المسلمون على حق لما تفرقوا، فيفتن بذلك بعضهم ولربما لم يقدم على الإسلام بسبب ما يراه من التفرق.
وقد أحسنتم كل الإحسان إذ عرضتم هذا الحال لمعرفة ما ينبغي حيال مثل هذه الأمور التي قد يتهاون البعض بها، مع أن آثارها قد تكون وخيمة.
أسأل الله تعالى أن يكون هذا الجواب صواباً، وأن يحقق الغرض منه، وأن يجمع كلمة المسلمين جميعاً في كل مكان على الحق، وأن يرزقنا الفقه في دينه، والبصيرة فيه، - وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه-.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ