إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل المرأة شيطان؟!
المجيب
د. عبد الحكيم الصادق الفيتوري
التاريخ الاحد 21 رمضان 1429 الموافق 21 سبتمبر 2008
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك نصراني يتساءل عن هذا الحديث: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهْيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ‏"‏إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ ‏"‏ ‏.‏
فهو يتساءل: هل من المعقول أن يكون هذا الكلام من الله القدوس الطاهر؟ فاعتراضي على المرأة تدبر في صورة شيطان.. لماذا يسقط الحق كله على المرأة؟ فإذا كان الإنسان عينه نظيفة فيستطيع غض البصر.. وعندما يكون الرجل ذئباً كاسراً ومغتصباً لماذا لا يقال عنه إنه يقبل في صورة شيطان؟

الجواب

الأخ الكريم وفقه الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لقد تضمن السؤال أمرين:
الأمر الأول: استنكار الرجل النصراني أن تكون المرأة تقبل في صورة الشيطان، وتدبر في صورة الشيطان، واستنكاره أن يكون هذا الكلام من الله تعالى.
الأمر الثاني: أنَّ هذا النص يقتضي إسقاط الحق على المرأة، وتبرئة الرجل من ذلك.
أما الأمر الأول: فهذا النص ليس من كلام الله، وإنما هو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وليس في النص ما يُستنكر، وليس فيه ما يقتضي احتقار المرأة أو انتقاصها، بل معنى الحديث أنَّ الله جعل في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بالنظر إليهن.
وفي إطلاق النظر إليهن فتنة، ودعوة إلى الوقوع في الإثم، فصورة المرأة التي تدعو الرجل إلى الغواية والوقوع في الحرام، شبيهة بإغواء الشيطان للعباد، ودعوته لهم للوقوع في الشر بتزيينه في أعينهم. وهذا الأمر يشهد الواقع بصدقه.
ويؤكد معنى هذا الحديث ويزيده إيضاحاً قوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان" رواه الترمذي و غيره، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.
والمعنى أن المرأة إذا خرجت من بيتها، زيّنها الشيطان في أعين الرجال، فوقعت الفتنة بها.
وليس المراد أنَّ المرأة شيطان في ذاتها.
فالحديث جاء في سياق التحذير للنساء من عدم الاعتناء بشأن الحجاب، لئلا تُفتن هي بالرجال، ولئلا يُفتن الرجال بهن.
وقد تضمن الحديث توجيهاً نبوياً لعلاج ما قد يقع في القلب من الافتتان بالنساء، وهو أن يأتي الرجل أهله، فإنَّ ذلك كفيل -بإذن الله- بزوال ما يجده في قلبه من الشهوة.
وقول جابر في الحديث: "وهي تمعس منيئة" أي تدلك جلداً لدباغته.
الأمر الثاني: أن الحديث يقتضي تحميل المرأة جريرة ما يقع في المجتمع من خطأ.
وهذا الأمر ليس بصحيح، والحديث لا يدل عليه.
والأخطاء السلوكية التي تقع في المجتمع لها طرفان: الرجل والمرأة، وقد أُمِر الرجل في نصوص كثيرة بغض بصره، والتحرز من إطلاقه، وعدم اتباع خطوات الشيطان، وأمرت المرأة بذلك، وأمرت أيضاً بالحجاب وعدم مخالطة الرجال. فإذا أخذا بهذه النصيحة سلم المجتمع من غوائل الفتن والشرور.
وهذا الحديث ينبغي أن يفهم في هذا السياق.
وإذا كان الرجل والمرأة مسؤولين مسئولية مشتركة، فإنَّ دور المرأة أشد خطورةً، وليس في هذا تجنٍّ على المرأة أو افتراء عليها، بل الواقع شاهدٌ صادق على ذلك.
ومما ينبغي أن يُدرك أنَّ هذا الإيراد الذي ذكره هذا الرجل النصراني ينطلق من تصور خاطئ حول نظرة الإسلام للمرأة، فيفهم من ظاهر هذا النص خلاف المقصود.
وثمة قضية لا يحفل بها الغربيون، وأتباعهم من الليبراليين، وهي الاهتمام بإصلاح القلب، فغاية ما ينظر إليه هي ظواهر السلوك الاجتماعي، وعدم الالتفات إلى إصلاح الباطن.
والشريعة الغراء أولت إصلاح الباطن عناية فائقة؛ لأنه الأساس في إصلاح الظاهر، والأمر بغض البصر عن النساء الأجنبيات، وعدم سلوك المسالك المفضية إلى الفتنة، كله من قبيل إصلاح الباطن، وهذا الأمر ليس محل اهتمام القوم، ولذا تجد في مقالتهم ألواناً من التشكيك في جدوى هذه التعاليم.
وأما قوله في آخر استشكاله: "لماذا الرجل يكون ذئبًا كاسراً ومغتصباً..... الخ لماذا لا تقول عنه يقبل بصوره شيطان؟".
وهذا الكلام نابع من فهم قاصر عن حقيقة مكانة المرأة في الإسلام، وتصور خاطئ أنَّ الإسلام يتحيز للرجل على حساب المرأة، وقد جاءت تسمية الرجل شيطاناً في بعض النصوص نظراً للعمل الذي قام به، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخبر ما يقع بينه وبين أهله، وكذا المرأة التي تخبر ما يقع بينها وبين زوجها بقوله: "فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون" أخرجه الإمام أحمد.
ومما يزيل غمامة الجهل والشك لدى هذا الرجل النظر في النصوص الكثيرة الدالة على مكانة المرأة في الإسلام.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ