إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اطلاق لفظ السيد على الرسول
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 17 رمضان 1429 الموافق 17 سبتمبر 2008
السؤال

هل هناك فرق بين قول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبين أشهد أن لا إله ألا الله وأن محمداً عبده ورسوله؟ وماذا تقولون بإضافة كلمة سيدنا قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
وهل يجب قول وإضافة صلى الله عليه وسلم بعد الشهادة. وجزاكم الله عنا كل خير.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا السؤال يشتمل على ثلاثة أسئلة:
الأول: الفرق بين لفظي الشهادتين: (أشهد أن محمداً رسول الله) و(أشهد أن محمداً عبده ورسوله) كلاهما صحيح، وبكل جاءت الأدلة الصحيحة، ويشهد للفظ الأول قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم". وشرع إعلان هذا اللفظ في الأذان: أشهد أن محمداً رسول الله.
واللفظ الثاني: يشهد له قوله تعالى: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً" وشرع هذا اللفظ في التشهد في الصلاة: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.." والفرق بينهما من حيث المعنى زيادة (العبودية في اللفظ الثاني) وهي كما ورد في الصحيحين من حديث عبادة: "من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله.. إلى قوله: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وهذا ما أمر به صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله...".
ووصفه صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله تعالى من أجل مقاماته الرفيعة صلى الله عليه وسلم امتدحه الله تعالى بها، ووصفه بذلك في أعلى المقامات ومنها: عندما أُسري به صلى الله عليه وسلم قال تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى...". وفي مقام نزول الوحي قال تعالى: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب" و"فأوحى إلى عبده ما أوحى".
ثم إن السيادة قد يوصف بها بعض الفسقة والمنافقين، بل وبعض الكفار، فيقال فلان سيد بن فلان، فمن توقير النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصف بما لا يشاركه فيها غيره عليه الصلاة والسلام.
وقد منع بعض أهل العلم -كالإمام مالك رحمه الله وغيره- إطلاق لفظ "السيد" من غير إضافة على البشر، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أنت سيدنا.. قال السيد الله تبارك وتعالى.. رواه أبو داود بإسناد جيد، وجوزه آخرون، قال الإمام النووي: الأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد بالألف واللام بالشرط السابق –وهو ألا يقولها لفاسق أو متهم في دينه، وأن يكون أهلاً لذلك، وألا تجر إلى المحذور كالعجب والضرر- قال الحافظ ابن حجر ويمكن الجمع بأن يحمل النهي عن ذلك على إطلاقه على غير المالك والإذن بإطلاقه على المالك، وقد كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا أو يكره أن يخاطب أحداً بلفظه أو كتابته بالسيد. ويتأكد هذا إذا كان المخاطب غير تقي.
والذي يظهر والله أعلم أن الحكم راجع إلى معنى السيادة، فاللفظ دال على معانٍ متعددة بعضها لا يجوز إطلاقه على غير الله تعالى، وبعضها يجوز إطلاقه على البشر وأحقهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويتلخص من ذلك جواز اطلاق "سيدنا" على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن وصفه بنبينا ورسول الله أتم وأكمل وأفضل وأعظم توقيراً وإجلالاً له صلى الله عليه وسلم وأعظم أجراً عند الله تعالى.
الثالث: المشروع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما مرّ ذكره عليه الصلاة والسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" ولكن هذا ليس بواجب يأثم تاركه إلا في التشهد في الصلاة على قول الجمهور والعلم عند الله تعالى.
وفي مقام الدعاء قال تعالى: "وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا" فليس في ذلك غضاضة أو انتقاص حق في مقامه صلى الله عليه وسلم، بل هما أصدق وصف وأشرف وصف وأحسن وصف له صلى الله عليه وسلم وقال الشاعر في محبوبته:
لا تدعني إلا بيا عبدها *** فإنه أشرف أسمائي
ووصفه عليه الصلاة والسلام بالعبودية والرسالة كما قال تعالى: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً" فيه رد على الغلاة والجفاة في حق نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم، فوصفه بالعبودية لله تعالى رد على الغلاة الذين أطروه صلى الله عليه وسلم، وجعلوه في منزلة غير المنزلة التي أنزله الله إياها وغلوا في مدحه.
وفي وصفه بالرسالة رد على الجفاة الذين انتقصوا حقه صلى الله عليه وسلم وأنزلوه دون في منزلته التي أنزله الله تعالى إياها، وقصروا في حقه من التوقير والتبجيل.
الثاني: أما وصفه صلى الله عليه وسلم بالسيادة فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر فهو سيدنا وسيد البشر بلا منازع صلى الله عليه وسلم، لكن يجب أن يلحظ هنا أمور منها:
أ- أنه ثبت بالاستقرار أن هذا اللفظ لم يرد في صيغ الصلاة عليه الصلاة والسلام الواردة عنه في الصلاة أو غيرها، ولا في أحاديث الأذان، لذا فإنه لا يجوز إضافتها في الصلاة والأذان، وقد قال الحافظ ابن حجر: "هذا يعني الزيادة والإضافة –خلاف الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد إلى ذلك، واستدل على ذلك بالدعاء الوارد في النوم لما قال: رسولك الذي أرسلت. شهادة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بتصحيح اللفظة فقال: ونبيك الذي أرسلت" رواه البخاري، فدل على أننا متعبدون بالاقتصار على الألفاظ التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات.
ب- أن وصفه صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة أبلغ وأعظم في حقه من وصفه بالسيادة؛ لأن السيادة يشاركه غيره ممن هو دونه، أما النبوة والرسالة فهو مختص بها بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
جـ- أن إطلاق السيادة عليه الصلاة والسلام جائز وصفاً لا تعبداً. أي لا يؤجر العبد على ذلك كما يؤجر بوصفه له بالنبوة والرسالة؛ لأن في ذلك إقراراً واعترافاً له صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة، وهذه يثاب عليها العبد. ولذلك لم يرد عنه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ