إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل هذه المصيبة بسبب الذنب؟
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الجمعة 03 شوال 1429 الموافق 03 أكتوبر 2008
السؤال

أنا مسلمة أصلي وأقوم بكل الفرائض والحمد لله.. سؤالي أنا لا أنجب أطفالاً، ومع هذا سهل الله لي كل الأمور للعلاج بأقل التكاليف، يومها اعتبرت نفسي محظوظة، ولكن مع مرور الوقت كل المرضى الذين كانوا معي أنجبوا إلا أنا، مع أن الأطباء أجمعوا على أن فرصتي كبيرة جدا، فلماذا سهل الله لي الأمر وتعلقت بالأمل؟ أنا غير معترضة، أستغفر الله، ولكن أريد تفسيراً شرعياً يريحني.. هل هذا لأني أعيش في بلد كفر، وأن هذا غضب من الله، أم قلة بركة بسبب وجودنا في بلاد الكفر؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فنسأل الله لك التوفيق الدائم في الدنيا والآخرة، ونوصيك بشكر الله تعالى وحمده على توالي نعمه عليكم، وعليك الرضا بما قضاه الله تعالى وقدَّره، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، والتفاؤل بالخير دائماً، فإن الله تعالى يحب من عباده الفأل، والصبر على البلاء.
وأما عن سبب عدم مشيئة الله تعالى لكم بالولد مع سهولة أسبابه فهو ابتلاء من الله تعالى وامتحان كي يلتجئ العبد إليه، وينطرح بين يديه، ويدعوه ويسأله وحده لا شريك له، ومصيبتكم هذه لا صنع لكم بها، ولكنه من قضاء الله تعالى وقدره، وفي مسند الإمام أحمد والترمذي من حديث محمود بن لبيد يرفعه: [إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] وزاد أحمد: [ومن جزع فله الجزع]، قال تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه" قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، والعباد في هذا أصناف: فمنهم من يجزع ويتشكى ويتسخط فهذا ضيعف الإيمان والعقل والمروءة، ومنهم من يصبر وهو أقل المطلوب، والله يحب الصابرين، وقال تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"، ومنهم من يرضى وهو أعلى مقاماً من الصبر وأفضل لا يوفق له إلا من قوي إيمانه، ومنهم من يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها حيث جعلها سببا لتكفير خطاياه ورفع درجاته وإنابته وتضرعه إليه، وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين، وهؤلاء في أعلى المقامات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولهذا كانت أحوال الناس في المصائب وغيرها متباينة تباينا عظيما، ثم إذا شهد العبد القدر، وأن هذا أمر قدره الله وقضاه وهو الخالق له فهو مع الصبر يسلم للرب القادر المالك الذي يفعل ما يشاء، وهذا حال الصابر، وقد يسلم تسليمه للرب المحسن المدبر له بحسن اختياره الذي لا يقضي للمؤمن قضاه إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له كما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا تسليم راض لعلمه بحسن اختيار الله له، و هذا يورث الشكر، وقد يسلم تسليمه للرب المحسن إليه المتفضل عليه بنعم عظيمة، وإن لم ير هذا نعمة فيكون تسليمه تسليم راض غير شاكر، وقد يسلم تسليمه لله الذي لا إله إلا هو المستحق لأن يعبد لذاته وهو محمود على كل ما يفعله فإنه عليم حكيم رحيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة وهو مستحق لمحبته وعبادته وحمده على كل ما خلقه، فهذا تسليم عبد عابد حامد، وهذا من الحمادين الذين هم أول من يدعى إلى الجنة، ومن بينهم صاحب لواء الحمد وآدم فمن دونه تحت لوائه، وهذا يكون القضاء خيرا له ونعمة من الله عليه...) إلخ.
وأوصيك بالتوبة إلى الله تعالى من جميع الذنوب والخطايا، والاستغفار على ما بدر من تقصير؛ لأن ما من مصيبة إلا بسبب ذنب، قال تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير"، وهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة فرفعها يكون بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة قال علي بن أبي طالب ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.
وأما بقاؤكم في بلد الكفر إن كان بلا حاجة ولا مبرر شرعي، ويمكنكم الانتقال إلى بلاد المسلمين بلا حرج، فلا يجوز لكم البقاء فيها والحالة هذه.. قال صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى نارهما" رواه أبو داود والترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد إسلامه عملا حتى يفارق المشركين إلى المسلمين"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبيان معنى الحديث أن توبته لا تقبل ما دام مقيما بين ظهراني المشركين مكثرا لسوادهم)، وأما إن دعت لذلك الحاجة للبقاء المؤقت في بلادهم لنيل شهادة ونحوها ثم التحول إلا بلاد المسلمين فلا بأس بذلك، وليس هذا ذنباً يعاقب عليه العبد، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ