إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لماذا عدَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم..؟
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الخميس 04 رمضان 1429 الموافق 04 سبتمبر 2008
السؤال

يسألني أحد المسيحيين: لماذا تعدَّدت زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلفت أعمارهنَّ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإنه لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج هذا العدد لأجل مجرد قضاء الشهوة والوطر؛ إذ لو أراد ذلك لاختار أن يتزوج الأبكار، والشابات الحسنوات من كل قبيلة، ولكنه لم يتزوج بكراً إلا واحدة وهي عائشة، ولو أراد بكراً غيرها لقدر على ذلك، ولتسابقت قبائل العرب كلها تريد القرب منه صلى الله عليه وسلم، ولكن جل من تزوجهن من الثيبات مما يدل على أن قضاء الشهوة ومجرد الاستمتاع ليس هو مقصوده من التعدد، وإن كان قد حبب إليه من الدنيا النساء، وليس فيه أنه يحب النساء لأجل قضاء الوطر فقط، ولكنه -كما يقول ابن حجر- مع كونه أخشى الناس لله، وأعلمهم به يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يجد ما يشبع به من القوت غالبا؛ وإن وجد كان يؤثر بأكثره ويصوم كثيراً ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول ومشروب، وهي عنده نادرة أو معدومة، ولم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة؛ لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن، وكأنه أراد بالتحصين قصر طرفهن عليه، فلا يتطلعن إلى غيره بخلاف العزبة فإن العفيفة تتطلع بالطبع البشري إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهن.
قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (9/115) والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه:
أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عندما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك، ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم، ثالثها: للزيادة في تألفهم لذلك، رابعها: للزيادة في التكليف، حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ، خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزاد أعوانه على من يحاربه، سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله، سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن، ثامنها: ما تقدم مبسوطا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه صلى الله عليه وسلم. تاسعها وعاشرها: تحصينهن والقيام بحقوقهن والله أعلم)أ.هـ.
وأضاف عليها الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فأوصلها إلى خمس عشرة حكمة، فقال: وثم وجه حادي عشر: وهو إظهار كمال عدله في معاملتهن لتتأسى به الأمة في ذلك، وثاني عشر: كثرة انتشار الشريعة فإن انتشارها من عدد أكثر من انتشارها من واحدة، وثالث عشر: جبر قلب من فات شرفها كما في صفية بنت حيي، وجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، ورابع عشر: تقرير الحكم الشرعي وانتشال العقيدة الفاسدة التي رسخت في قلوب الناس من منع التزوج بزوجة ابن التبني، كما في قصة زينب فإن اقتناع الناس بالفعل أبلغ من اقتناعهم بالقول، وانظر اقتناع الناس بحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في الحديبية، ومبادرتهم بذلك حين حلق بعد أن تباطؤوا في الحلق مع أمره لهم به، وخامس عشر: التأليف وتقوية الصلة كما في أمر عائشة وحفصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شد صلته بخلفائه الأربعة عن طريق المصاهرة، مع ما لبعضهم من القرابة الخاصة، فتزوج ابنتي أبي بكر وعمر، وزوج بناته الثلاث بعثمان وعلي رضي الله عن الجميع، فسبحان من وهب نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الحكم، وأمده بما يحققها قدراً وشرعاً، فأعطاه قوة الثلاثين رجلاً، وأحل له ما شاء من النساء يرجي من يشاء منهن، ويؤوي إليه من يشاء، وهو سبحانه الحكيم العليم)أ.هـ
وكان الشيخ محمد -رحمه الله- قد سئل عمن قال: إن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم كان لغرضين: أحدهما: مصلحة الدعوة، والثاني: التمشي مع ما فطره الله عليه من التمتع بما أحل الله له؟
فأجاب بقوله: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة إلى الناس كافة، وأن اتصافه بما تقتضيه الطبيعة البشرية من الحاجة إلى الأكل، والشرب، والنوم، والبول، والغائط ومدافعة البرد، والحر، والعدو، ومن التمتع بالنكاح، وأطايب المأكول والمشروب وغيرها من مقتضيات الطبيعة البشرية لا يقدح في نبوته ورسالته، بل قد قال الله له: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) وقال هو عن نفسه: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون"، وانتفاء علم الغيب، وطرو النسيان على العلم قصور في مرتبة العلم من حيث هو علم، لكن لما كان من طبيعة البشر الذي خلقه الله ضعيفاً في جميع أموره، لم يكن ذلك قصوراً في مقام النبوة، ونقصاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن شهوة النكاح من طبيعة الإنسان فكمالها فيه من كمال طبيعته، وقوتها فيه تدل على سلامة البنية، واستقامة الطبيعة، ولهذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كنا نتحدث أنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم أعطي قوة ثلاثين"، يعني على النساء، وهذا والله أعلم، ليتمكن من إدراك ما أحل الله منهن بلا حصر ولا مهر، ولا ولي، فيقوم بحقوقهن، ويحصل بكثرتهن ما حصل من المصالح العظيمة الخاصة بهن والعامة للأمة جميعاً، ولولا هذه القوة التي أمده الله بها ما كان يدرك أن يتزوج بكل هذا العدد، أو يقوم بحقهن من الإحصان والعشرة، ولو فرض أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة والتمشي مع ما تقتضيه الفطرة بل الطبيعة لم يكن في ذلك قصور في مقام النبوة، ولا نقص في حقه صلى الله عليه وسلم، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين". بل قد قال الله له: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) لكننا لا نعلم -حتى الآن- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة، ولو كان كذلك لاختار الأبكار الباهرات جمالاً، الشابات سنّاً... إلى أن قال: وأما عدم تزوجه بالواهبة نفسها، فلا يدل على أنه تزوج من سواها لمجرد الشهوة، وقضاء وطر النكاح.
وأما ابنة الجون فلم يعدل عن تزوجها، بل دخل عليها وخلا بها، ولكنها استعاذت بالله منه، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "لقد عذت بعظيم فالحقي بأهلك". ولكن هل تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد جمالها وقضاء وطر النكاح أو لأمر آخر؟ إن كان لأمر آخر سقط الاستدلال به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتزوج لمجرد قضاء الوطر، وإن كان لأجل قضاء الوطر فإن من حكمة الله تعالى أن حال بينه وبين هذه المرأة بسبب استعاذتها منه.
وأما سودة رضي الله عنها فقد خافت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم لكبر سنها فوهبت يومها لعائشة، وخوفها منه لا يلزم منه أن يكون قد هم به. وأما ما روي أنه طلقها بالفعل فضعيف لإرساله.
وأما زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب فليس لجمالها، بل هو لإزالة عقيدة سائدة بين العرب، وهي امتناع الرجل من تزوج مفارقة من تبناه، فأبطل الله التبني، وأبطل الأحكام المترتبة عليه عند العرب، ولما كانت تلك العقيدة السائدة راسخة في نفوس العرب كان تأثير القول في اقتلاعها بطيئاً، وتأثير الفعل فيها أسرع، فقيض الله سبحانه بحكمته البالغة أن يقع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في تزوجه بمفارقة مولاه زيد بن حارثة الذي كان تبناه من قبل ليطمئن المسلمون إلى ذلك الحكم الإلهي، ولا يكون في قلوبهم حرج منه... إلى أن قال: والحاصل أنه وإن جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج لمجرد قضاء الوطر من النكاح وجمال المرأة، وأن ذلك لا يقدح في مقامه، فإننا لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زواجاً استقرت به الزوجة، وبقيت معه من أجل هذا الغرض. والله أعلم) أ.هـ.
وبذلك يعلم السائل ثلاثة أمور:
الأول: أن صلى الله عليه وسلم قد كان عنده أكثر من أربع زوجات في آن واحد، وذلك من خصوصياته، فيجوز له أن يجمع أكثر من أربع في عصمته بالإجماع.
الثاني: أنه هذا التعدد كان لحكم ومقاصد سامية تتجاوز مجرد قضاء الشهوة إلى الحكم السياسية، والاجتماعية، والخلقية، والتعليمية، والدعوية، والتصحيحية، والتأليفية، والإعجازية، وغير ذلك.
الثالث: أنه لا صحة لما يردده بعض أعداء الإسلام من المستشرقين والمنهزمين وغيرهم حول تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم، وأنه رجل شهواني كما يقولون غير ذلك، فإن ذلك مردود بما سبق ذكره، والحمد لله، وإني أخشى أن يكون مقصود ذلك النصراني من طرح مثل هذا السؤال عليك لتشكيكك في دينك فتيقظ، والأولى للسائل أن يقول: (نصراني) بدلاً من (مسيحي)؛ لأن الله سماهم بذلك في كتابه. قال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ" الآية، وقانا الله وإياكم فتن الشبهات والشهوات، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ